التقنية هي الحل

لا يخفى على أحد الدور الذي تلعبه الشركات الكبيرة عابرة القارات، وبالأخص شركات الطاقة، في استعباد الشعوب ونهب خيراتها، ما حدا بالبعض وصف أنشطتها بالإستعمار الجديد. ولا يخفى أيضا تقزم دور الساسة والحكومات الإمبريالية وتحولها لوجوه إعلامية تتستر على أنشطة أربابها من هذه الشركات تحت مسمى السياسة والعلاقات الدولية. لقد بات عالمنا محكوما بأطماع وجشع الإقطاعيين الجدد الذي طبقو سايكس بيكو عالمية ودخلوا بلادنا عنوة بالتحالف مع زمرة من الأنظمة الفاسدة، المنتشرة بكثرة فيما يعرف بالعالم الثالث، والتي تبيع ثروات شعوبها رخيصة لأجل البقاء في سدة الحكم.

أطاحت بعض الشعوب العربية بأنظمتها وانتفضت لكرامتها، وهاهي ستضع قدميها على عتبة الديمقراطية في حال اكتمال ثوراتها. وأطلقت أنظمة أخرى الوعود بدفع عجلة التنمية والإصلاح وتقديم كل ما يمكن لتهدئة شعوبها. ولكن تبقى الأخيرة، ومع كل الوعود المقدمة، متخبطة بين جنبات الفساد الذي استشرى فيها والترهل السياسي والاقتصادي الذي لا يمكن الخلاص منه في غياب استراتيجيات فعالة. وتبقى هذه الوعود حبرا على ورق، ويظل المواطن في انتظار هذا المدد الذي سيأتيه من حكومته. وفي حالة الديمقراطيات، سيكون هناك، بالحديث بلغة المثاليات، توزيع عادل للثروات وتفعيل لمفهوم العدالة الاجتماعية والمحاسبة الشعبية وغيرها. ولكن في النهاية سيظل المواطنون أيضا في حالة اعتماد على ما تقدمه لهم حكوماتهم من خدمات ومساعدات واستثمارات. هذا هو النموذج الذي نعرفه ونعايشه، ولكن هذه المقالة ستحاول إسقاط الضوء على نموذج آخر.

بالرجوع لفكرة الشركات العالمية عابرة القارات، فكما ذكرنا، يظهر تحالفها واضحا مع الأنظمة الفاسدة التي تقدم لها التنازلات، وتمنحها الاستثناءات، وتسهم في خفض أجرة أيدي أبنائها العاملة. والدول الديمقراطية ليست بمعزل عن خبث وجشع هذه الشركات. فأمريكا وبعض الدول الأوروبية التي تعيش حياة الديمقراطية يقبع شعبها أيضا ضحية لجشع اقتصاديي السوق الحر والنيو ليبراليين. فهم من يتحزبون وينشئون اللوبيات للتحكم بالأسعار والتنعم بأرباح الاحتكار والاقتطاع. وهذا ما يجعل قرارات الساسة الصوريين بيدهم لا بيد دافعي الضرائب من الشعب. وتجدهم يجيشون آلاتهم الإعلامية لسوق الرأي العام لمصالحهم، ولا يقف في وجه مخططاتهم إلا القلة. هذا الكلام ليس طعنا في الديمقراطية، وإنما وصف سطحي لمشكلة عميقة تضع شعوب العالم ومصالحها قاطبة أمام فئة قليلة تتحكم بثرواتهم.

ماهو اذا الحل الذي يمكن به مجابهة هذا الطغيان؟ لعل أحد أبسط وأعقد الحلول في نفس الوقت هو ذلك الذي يقدمه فيلم وثائقي شهير (قد لا أتفق معه في منهج التضخيم في الطرح، ولكني أتفق مع الخلاصة التي وصل إليها). الحل هو: التقنية. طبعا ما نعنيه بمصطلح التقنية هو ليس ما يتبادر إلى الذهن من الوهلة الأولى، أي التقنية بمعناها المرتبط بالكمبيوترات والآلات المعقدة، بل بمعناها الأشمل. التقنية باليونانية تعني علم وفن الصناعة، وتتعدد تعاريفها لتشمل: فعل الاستحداث والشغل، والتغيير الناتج عنه، والأدوات المساعدة التي صنعها المستحدث. كما أنها تمثل بحسب الفيلسوف الألماني شينغلر فعل للتفكير وسلوك مهتم يخطط ويضع الاستراتيجيات لتحقيق غايات محددة. ويذهب أحد التعاريف ليكون عمليا أكثر فيقول: التقنية أداة تساعدنا على إنجاز العمل بشكل أسرع وأكثر كفاءة. من الواضح إذا أن التقنية هي أداة فعل ومنهج فكر في آن واحد. فهي بذلك تمثل حلا قويا وسلاحا يمكن به مواجهة التحديات.

رواد الأعمال الإجتماعيون Social Entrepreneurs

يطرح كتاب: Social Entrepreneurs, How to Change The World نماذج ملهمة وملاحظات في غاية الأهمية عن رواد الأعمال الاجتماعيين. إن كثيرا ممن يتابعون مواضيع ريادة الأعمال التجارية لا يعرفون عن وجود هذا النوع الذي يدمج لفظة ريادة الأعمال Entrepreneurs مع لفظة اجتماعي Social والذي يتقاطع تعريفه مع فكرة أن التقنية بأيدي الناس هي الحل. رائد الأعمال الناشئة الاجتماعي لا يقوم بقياس عائد الأرباح التي جنتها شركته بالمال وحسب، بل بالأثر الاجتماعي الايجابي التي عكستها على أفراد المجتمع أيضا، والذي يكون في معظم الأحيان نتيجة توفير تقنية ناجحة ووضعها في أيدي المواطنين تحل لهم مشاكلهم، والأهم أنهم يبنونها بأيديهم هم ومن موارد بيئتهم.

يتم توزيع الأرباح على المستثمرين واستغلال الفائض في تطوير المؤسسة بالشكل المألوف. ولكن هذه المؤسسات لا يحكمها جشع السوق الحر وغيره، وإنما تحكمها في تعاملاتها الأهداف السامية والآثار الإيجابية المراد تحقيقها. وقد تتفق هذه المؤسسات في أهدافها عموما مع المؤسسات غير الربحية ولكنها تختلف عنها في انها حرة ومستقلة ولا تتبع أهواء الجهات الممولة. كما أنها تملك حرية فتح آفاق جديدة لأعمالها، والتواصل مع مختلف الفئات والجهات، دون قيود. (يدمج المؤلف في مناسبات كثيرة بين المؤسسات غير الربحية ومؤسسات رواد الأعمال الاجتماعيين، على أنه يفرق بينها في مواضع عدة بذكر النقاط التي أسلفناها في الأعلى).

رواد الأعمال الاجتماعيون هم أناس يحلون مشاكل اجتماعية على نطاق عريض وواسع. يخدمون أسواقا كبيرة جدا بموارد محدودة. شرارة التغيير الاجتماعي تتأتى عبر فرد مهووس (كما وصفه الكاتب)، يرى المشكلة ويرى حلولها ببصيرته ويعمل على تحقيقها. اذا، ريادة الأعمال الاجتماعية هو علم تطبيق المواهب التجارية وإدارة الأعمال المنتهية بفوائد على المجتمع. هل فكرت يوما في استثمار أموالك في مؤسسات تقوم ببيع آلات للمزارعين بالأقساط (مع زيادة ٢٣٪ من سعر الشراء) وتمكنك من متابعة أدائهم في أراضيهم، والتزامهم بإعادة هذه الأقساط على دفعات مريحة، وتحصيل ربح منها وفي ذات الوقت تحقيق فائدة لمجتمعك؟ هذا هو المبدأ الذي تعمل عليه مؤسسات رواد الأعمال الاجتماعيين بشكل مبسط.

تعتبر ريادة الأعمال الاجتماعية أحد أحجار الزاوية المهمة في التنمية الملحوظة التي شهدها العالم في الثلاث عقود الماضية، وقد أطلق عليها البعض مؤسسات ومنظمات المواطن. وهناك دول تعتمد بالكامل على مؤسسات كهذه في مشاريعها التنموية كبنغلاديش (٢٠ الف مؤسسة). وفي دول كفرنسا، يزداد عدد هذه المؤسسات بمعدل ٧٠ الف سنويا (الأرقام التالية كلها تتكلم عن فترة التسعينات وبداية ال ٢٠٠٠). في كندا يبلغ عددها ٢٠٠ الف، والبرازيل ٤٠٠ الف، و ٧٥٠ الف تقريبا في أمريكا.

هذه المؤسسات كانت تاريخيا تصنف بمؤسسات غير ربحية أو حكومية بالمعنى السلبي (وما يتخللها في كثير من الأحيان من فساد وبيروقراطيات)، ولكنها في يومنا هذا تشكل قطاعا اقتصاديا مهما بات يعرف بالقطاع المستقل، أو قطاع المواطن.

إن أحد الفروق ما بين رواد الأعمال التجارية ورواد الأعمال الاجتماعية هو في تعريفهم لدور الأفراد المستهدفين في مساحات العمل التجاري أوالاجتماعي. هو نظرتهم لفائدة المنتجات أو الخدمات التي يوفرونها للفرد ومدى تأثره بها. ويلزم توضيح أيضا أن ريادة الأعمال الاجتماعية تختلف عن التجارية في أن الأخيرة سريعة المردود نسبيا بعكس الاجتماعية، ولكنها كما ذكرنا، لا تغلب جانب تقديم الفائدة الإيجابية للمجتمع، وربما لا تنظر إليه في الأصل.

لطالما غلبت نظريات التغيير الاجتماعي جانب “الفكرة الفاعلة” في تغيير المجتمعات وحل مشاكلهم وتحريكهم، وقللت من العكس، أي دفع الناس للفكرة نحو النجاح. ففي تفاصيلها نجد أنها تقول بأن الفكرة تتوسط خشبة المسرح والناس هم الجمهور. ولكن مؤلف الكتاب لا يتفق مع هذا التوجه فيقول بأن الفكرة هي كالمسرحية، تحتاج مخرجين وممثلين ومنتجين لتحويلها الى تحفة. ويطلق المؤلف على من يخرجون ويكتبون المسرحية وصفا لطيفا وهو أبطال الفكرة idea champions.

أحد أبرز الأمثلة للمؤسسات التي تنتهج هذا النهج هو بنك الفقراء غرامين في بنغلاديش والذي استحدث فكرته محمد يونس، وحاز جائزة نوبل في الاقتصاد على ذلك. لن نخوض في فكرة هذا البنك ولكن يكفي لنقول أن عدد المقترضين منه يبلغ ٧.١ مليون مقترض منتشرون في ٧٧ الف قرية. ومما لاحظه المؤلف أن رواد الأعمال الاجتماعيين الناجحين لا يسعون نحو الثراء والمال، بل هم تواقون لعمل سلالة وأناس يحيطون بهم كعائلة كبيرة، بالإضافة الى الرغبة في الوصول لإحساس الانتصار في معركة تنافسية، والاستمتاع بلحظات التطوير والإنشاء الإيجابي *.

قصة فابيو روزا:

الكتاب حافل بقصص رواد أعمال اجتماعيين ناجحين، فإحداهن أنشأت في البرازيل مؤسسة لاحتضان المعاقين ومرضى التوحد وتوظيفهم في أعمال روتينية (أثبتوا إتقانهم في مجال الأعمال الروتينية) والتحصل على راتب مجز يعيشون عليه، دون إغفال حياتهم الاجتماعية والروحية وحتى الجنسية ومساعدتهم على ملئها (وتستفيد طبعا صاحبة المؤسسة بالتحصل على نسبة من الأرباح). وفي الهند نجد مدرسة شابة حققت حلمها بافتتاح مؤسسة تهتم بعمل ورش عمل وأنشطة لا صفية لطلاب المدارس والأحياء الفقيرة في المناطق الزراعية والمفتوحة لإكسابهم خبرة عملية فيما يتعلمونه في كتبهم، وقصص أخرى كثيرة، لكنني سأتكلم عن قصة الشاب فابيو روزا في البرازيل.

في ١٩٨٢ وفي عمر ٢٢ سنة، بدأ حلم إيصال الكهرباء الى الفقراء في البرازيل بمداعبة خياله. وكان أكثر ما يحزنه رؤية المزارعين وهم ينزحون مرغمين الى المدن، حتى أنه سأل العديدين منهم عن مطالبهم، فقالوا نحن نريد تعليم أطفالنا، والتخلص من الفقر والبقاء في أراضينا.

بدأ فابيو بالبحث عن المشاكل التي يواجهها الفلاحون في أراضيهم والتي تؤدي في نهاية المطاف الى نزوحهم منها. تشتهر تلك المنطقة بزراعة الأرز الذي يتطلب مياها كثيرة، فوجد أن كلفة المياه لوحدها تكلف الفلاحين ربع كلفة انتاج الأرز الكلية. يتم توفير المياه عبر الآبار الارتوازية والتي يتم حفرها بمعدات تتطلب الكهرباء. وبالتعمق في المشكلة، اتضح أن شبكة الكهرباء التي بنتها الدولة تعتمد معاييرا وتقنيات تكلفتها مرتفعة مخصصة للمدن، مما جعل تكلفة تمديد واستهلاك الكهرباء لمنزل الفلاح الفقير تكافيء مدخوله من بيع محاصيله لمدة ٥ الى ١٠ سنوات!!! والأمرّ من ذلك أنه لن يوظف كل الطاقة المتاحة له (تخيل أن يتم تمديد خط كهربائي يستوعب قاطني عمارة من ٣ أدوار لمنزل فلاح فقير واحد).

أثناء بحث فابيو عن حلول، اهتدى لبحث كان قد أعده بروفيسور في جامعة محلية يحوي تصميما لنظام تمديد كهربائي رخيص ومخصص للمناطق النائية والزراعية محدودة الاستهلاك. الأهم في هذا النظام هو تحقيقه لشرطي نقل وتفعيل التقنية الأساسيان واللذان يغيبان عن المسؤولين تماما في مشاريع التنمية الهزيلة التي نراها وهي: أنه يتم بناء هذه التقنية بأيدي أبناء البلد (هذا النظام من البساطة أنه يمكن بناؤه بأيدي عمال وفلاحين محليين) والثاني استخدامه في الأساس لمواد محلية من صلب البيئة (فبدلا من بناء أعمدة الاسمنت الغالية والمستوردة في هذا النظام الكهربي، يتم استبدالها بالخشب، والحديد المصنع بدلا من أسلاك النحاس، وخليط الحديد و الزنك بدلا من موصلات الألمنيوم).

قام فابيو على إثر ذلك بإنشاء مؤسسة تعلم الفلاحين كيفية الاستفادة من هذا النظام في زراعة الأرز (تقنية حفر الآبار الارتوازية بأعماق ضحلة ومن ثم استخدام مضخات متوافقة مع النظام الكهربائي) مقابل مبالغ معقولة جدا جدا للمزارعين، بالإضافة الى توفير إمكانية أخذ قرض للبدء مباشرة في تطبيق التقنية وإعادته على دفعات وبفائدة مقبولة.

طبعا الانسان عدو ما يجهل، لذلك كان عدد المتعاملين مع مؤسسة فابيو قليلا، ولكن النتائج المذهلة دعت الفلاحين الباقين للتسجيل فورا في شركته (قفزت العائدات الشهرية للفلاح الواحد من ٥٠٨٠ دولار الى ٣٠٠٤٠٠ دولار). عندما تسأل فابيو عن مدى نجاح شركته، فإنه لا يجيبك بمقدار الأرباح المالية التي حققها، بل بمقدار الفلاحين الذين عادوا الى أراضيهم من جديد بعد أن نزحوا إلى المدن! نجاح باهر وطريقة فريدة لقياس مدى نجاح العمل!

الكتاب يسرد الظروف والتجارب الصعبة التي مر بها فابيو وانتصر عليها. فابيو يعمل الآن في شركته الجديدة والتي تبيع أنظمة الري الرخيصة التي تعمل بالطاقة الشمسية. ولابد من المرور على درس مهم تعلمته من تجربة فابيو وهو أنه لم يبع الخلايا الشمسية للفلاحين مجردة، لأنه يريد بيعهم تقنية وحلا مفيدا وليس مجرد خلايا شمسية تكلفتها مرتفعة لن يستطيعوا معها تدبيرا. لذلك اطلع على أبحاث لدكاترة جامعات عن أنظمة ري رخيصة تعمل بالطاقة الشمسية، ووجد ضالته في إحداها، وبات يبيع النظام ومعه الخلية الشمسية كحل واحد، فلم يعد الفلاح ينظر للمنتج بأنه مرتفع ثمنه ولن يعرف تشغيله كما لو بيعت الخلايا منفصلة، بل هو يشتري نظاما وحلا مفيدا وجاهزا للتنصيب والتشغيل.

في دولنا العربية، نحن بأمس الحاجة لهؤلاء الناس، رواد الأعمال الاجتماعيين. صحيح أن مؤلف الكتاب ذكر في مقدمته أن هؤلاء الرواد ينظر إليهم كأعداء من قبل الأنظمة الديكتاتورية (النظام الديكتاتوري المستبد يقتات على التحكم الكامل بالمجتمع، ورائد الأعمال الاجتماعي يسهم في رفع هذا التحكم ويشارك نوعا ما فيما سماه شباب أكاديمية التغيير في كتابهم حرب اللاعنف بالتجويع السياسي)، إلا أن ٢٠١١ حملت رياح التغيير إلى أقطار عدة، فبات تواجد رواد الأعمال الاجتماعيين قابلا للتحقق في مصر وتونس مثلا، كما هو الحال أيضا في الدول التي تعد شعوبها بإصلاحات واسعة النطاق، ليكون ربما هذا الموضوع محل اختبار لوعودهم.

كارثة الجزيرة الفراتية السورية، ومجموعة من الحلول

في بلدي سوريا، هناك أزمة جفاف الجزيرة الفراتية السورية والتي كانت فيما مضى منطقة خضراء ضخمة، يانعة غنية، وتشكل مصدرا غذائيا مهما. هذه الأزمة هي بالفعل أبرز ما يتبادر الى ذهني كلما تذكرت الوطن. الصور التي وصلتنا لمخيمات أهلنا من نازحي الجزيرة الفراتية وشرق سوريا على أطراف مدينة دمشق مؤثرة جدا ومحزنة. أكثر من ٥٠ الف عائلة نزحت في ٢٠١٠ وحدها الى مخيمات فقيرة جدا وبدائية على تخوم دمشق، وإحصائيات الأمم المتحدة تبين أن ٨٠٠ الف ممن بقي في الجزيرة والمنطقة الشرقية ككل (يقطنها ٥ ملايين نسمة) يعيشون فقرا مدقعا. يعيشون في مخيمات قوامها صفائح الألمنيوم والقماش البالي الذي لا يقي حرارة الصيف ولا برد الشتاء. الأطفال بالكاد يتحصلون على الطعام، فما بالنا بحقوقهم على المجتمع من تعليم وصحة وغيرها. عن الشباب والنساء والكهول، فالوضع ليس بأحسن حال، بل هو مزر جدا. تنظر نحوهم بحرقة وأنت لا تملك لهم نفعا إلا مبادرات عظيمة الأثر متواضعة الإمكانات كتلك التي قدمها شباب رائعون (وأخص بالذكر الشاب الرائع عامر مطر الذي اعتقل منذ بضعة أيام على أيدي أعداء الحرية والضمير). وتنظر بحرقة ونقمة تجاه التجاهل الرسمي لقضية أهلنا النازحين داخل وطنهم، وتقاعس الجهات الرسمية عن التعاطي مع المسألة. نعم نحن نعلم أن تلك المناطق تمر بموجات من الجفاف القاسية، ولكننا نعلم أيضا أن هنالك استغلال جائر لمصادر المياه السطحية والجوفية من بعض الأطراف التي نعرفها جيدا وبطء شديد في مشاريع التنمية هناك، ونعلم أيضا أن سوريا بلد زراعي، وعلى حكومتنا أن تولي هذا القطاع اهتماما كبيرا جدا. ولكننا نعود لذات المشكلة وهي أن الحلول المقترحة من الخبراء تدور حول استجداء الحكومة للتدخل فورا بإنشاء المعامل وزيادة فرص العمل والاستثمار والدعم الزراعي ووو الخ الخ. ولعلنا بعد كل ما ذكرناه في هذا المقال نفكر بطريقة مختلفة في حلول ناجحة للجزيرة الفراتية، بطريقة رواد الأعمال الاجتماعيين.

قررت البحث عن حلول لهذه المشكلة على ضوء موضوع ريادة الأعمال الاجتماعية كمحاولة لإشعال شمعة في الظلام، واهتديت الى تقنية طورها فريق بحثي استرالي ونقلوها الى بلد عربي شقيق وهو الأردن. التقنية تسمى الزراعة المستدامة وهي طريقة مخصصة للمناطق شحيحة الأمطار وتهدف الى حبس كل نقطة مطر. تعتمد هذه الطريقة على عمل وسط حافظ لمياه الأمطار والري بحفر الأرض على عمق معين ، ومن ثم وضع طبقة تعزل الماء وتمنعه من النفاذ الى باطن الأرض، وهذا الحفر ليس اعتباطيا إنما يتم بآلية وشكل معين، ومن ثم يتم زرع المحاصيل بشكل تدريجي معين يعتمد على طول وكثافة النباتات بحيث يتم حبس بخار الماء قدر الإمكان، وإبقاء الوسط المزروع رطبا على مدار أيام السنة. هذه التجربة تم تنفيذها في أراض تبعد ٢ كم عن البحر الميت حيث الحرارة تفوق الخمسين مئوية، والأراضي جافة جدا، والجميع يستخدم للزراعة المواد الكيميائية والحلول المكلفة والتي تقتل التربة قبل كل شيء.

لاختبار طريقتهم في تلك المناطق، قام الفريق بتفعيل النظام المذكور على طول أرض مساوٍ لـ ١.٥كم ويمكنكم متابعة النتائج والعملية كاملة في المقطعين التاليين (١ و ٢ في الأسفل). من أبرز النتائج إصلاح التربة وإعادتها للحياة (أكثر ما أثار استغرابهم وأسعدهم بنجاح نظامهم هو ظهور ثمار التين التي كان يستحيل نموها في تلك المناطق وظهور الفطر وحشرات عديدة، وضفادع!! تذكروا أن الأرض كانت مقفرة تماما ولا تصلح لتواجد هذه الكائنات).. نجاح هذه الطريقة يثبت عملها في أقسى الظروف.

المقطع ١

المقطع ٢

(رابط يحوي شرحا جيدا عن العملية)

قام الفريق طبعا بنقل التقنية للفلاحين الأردنيين ومن المهم الإشارة الى أنه في المقطع يظهر الباحث محمد عايش ليروي تجربته مع الزراعة المستدامة وكيف أنه يحمل شهادة تخوله التدريب على استخدام هذه التقنية وكيف أنه وثق خبرته في كتاب يتم توزيعه على المزارعين لتعليمهم تقنية الزراعة المستدامة. كما أنهم نجحوا بإقناع الجامعة الأردنية بتدريس هذه التقنية وتطويرها.

أنا من المؤمنين أن تطبيق هذا الحل في سوريا في منطقة الجزيرة الفراتية هو أحد مفاتيح النجاح المهمة لحل هذه المشكلة. وهذه فكرة جاهزة لمن يجد في نفسه روح ريادة الأعمال الاجتماعية بحيث ينشيء مؤسسة هدفها تدريب الفلاحين على هذه التقنية وتقديم قروض مريحة لهم، ودعوة الناس للاستثمار في مؤسسته. فالحل في النهاية هو بيدنا نحن.. بيد الشعوب.

في الختام، أود الإشارة الى أن صديقي العزيز هاني افتتح مدونة جديدة وهي تتحدث عن موضوع مشابه لما كتبته هنا، وهو توارد أفكار لطيف جدا 🙂 وهاهي مدونته والموضوع الذي يتحدث فيه عن تقنيات زراعية جديدة مقترحة، ولكن الفرق أنه يقترح على الحكومة تقديم هذه التقنيات، ولكني وبإسقاط ما كتبته هنا على ما كتبه في مدونته، أرى أنها تقنيات ممتازة يمكن لرواد الأعمال الاجتماعيين جلبها ونقلها لفلاحي وطننا، ومساعدتهم في الرجوع الى أراضيهم التي لطالما أحبوها، وأحببناها معهم.

——

*: يسرد الكتاب قصصا لرواد أعمال اجتماعيين ويدرس مؤسساتهم ليخرج بعدد من الملاحظات المهمة، أحد هذه الملاحظات ما سماها بـ ٤ ممارسات للمنظمات المبدعةوهي: ثقافة الاستماع (كل مكالمة او حوار مع اي فرد مهم جدا ويجب أخذه بعين الاعتبار، ولا يتوجب التقليل من شأنه كونه فلاح أو عامل ثقافته قليلة، تذكر أنك تعمل لحل مشاكلهم، فهم من يتوجب الاستماع اليهم)، التنبه الدائم للتفاصيل والأمور الاستثنائية (في تجربة محمد يونس، كان دائما ما يقال له إن الفقراء لا يعتمد عليهم في شيء، ولكنه لاحظ العكس، لذلك غير من استراتيجية بنكه ونظامه ليمنح الثقة فيهم ويفترض اعتماديتهم في الأصل، لا العكس)، تصميم حلول واقعية لأناس واقعيين (مثال مؤسسة Gapa-Bahia التي تهتم بالحد من انتشار الإيدز في الأحياء الفقيرة شمال البرازيل عبر ورش أعمال وحملات توعوية وتوظيف من يتدربون على يديها. فهي عندما تنزل للمجتمع المستهدف، لا تذكر أمام أفراده كلمة ايدز ولو لمرة واحدة خلال ٦ اشهر. فأنت ان تحدثت معهم عن الايدز ومخاطره، فسوف يدخل كلامك من اذن ويخرج من الثانية كما قال مؤسسها. لذلك فهذه المؤسسة أيقنت بأن الناس يتوجب البدء معهم في تثقيفهم عن أجسامهم وصحتهم وظروفهم المعيشية، وحتى عن كونهم ذكورا وإناثا، بشرتهم سمراء أو بيضاء. وبعد تقديرهم لأجسادهم وصحتهم، تبدأ المؤسسة بالحديث معهم عن الإيدز)، أخيرا، التركيز على الطاقم العامل في المؤسسة من ناحية تحليه بالقيم الانسانية التي يتطلبها هذا العمل، وهي مهمة صعبة ولكنها ضرورية. لذلك تلجأ عدد من المؤسسات والمنظمات لعمل اختبارات صارمة لهذه الجوانب والقيم قبل التوظيف.

أنهيت قبل فترة أحد الكتب المميزة التي تعرفت إليها بالصدفة. أذكر أنني كنت أتجوّل بين الرفوف الخاصة بعلوم الإدارة والتخطيط الاستراتيجي -ذلك المجال الذي يستهويني بشكل كبير- في مكتبة جرير في الرياض ووقعت عيناي على كتاب يحمل شعار مطابع كلية وارتون العريقة (Wharton school Publishing) والتي تُعرف بأنها من أفضل الكليات التي تقدم برنامج بكالوريوس و ماجستير إدارة الأعمال MBA على مستوى العالم (وقد حلت ثالثة في تصنيف هذا العام في البكالوريوس بعدما كانت الأولى العام الماضي). اقتربت من الكتاب لأقرأ عنوانه فجذبني لأن أفتحه وأطالع فهرسه. عنوان الكتاب:

The Self-Destructive Habits of Good Companies.. And How To Break Them

للمؤلف:

Jagdish Sheth

ما يميز الكتاب هو استعراضه لعدد من العادات التي قد يبدو تأثير بعضها بسيطا بمجرد قراءتها، بل وإن قام أحدنا بإسقاطها على نفسه، فربما لن يظن أن ضررا كبيرا سيلحق به. ولكنها في الواقع تصبح كارثية على مستوى الشركات، وهذا ما يحاول الكتاب إبرازه من خلال الحديث عن شركات عاصرت فترة من التألق والنجاح ما لبث أن تداعى وتحطم، والسبب: إحدى هذه العادات.

العادات هي:

Read more

تتبادر الى أذهاننا أسئلة كثيرة تدور حول ظواهر نعايشها يوميا. ربما فكرنا بها وبحثنا عن الجواب. وربما خشينا الخوض فيها لقلة المعرفة أو لإيماننا بأن الإجابة عليها تتطلب علما وبحثا غزيرا. أيا يكن فلكل منا غريزة فضول علمية يبحث العديدون عن مصادر لاشباعها. اذا كنت واحدا من هؤلاء الأشخاص ممن يتساءلون عن مواضيع كالكون وكيفية اكتشاف مجراته وكواكبه، أو ممن يريدون مصدرا يدلهم على الكيفية التي قاس بها العلماء عمر الأرض، أو ممن سمعوا عن النظرية النسبية وصراع صاحبها مع منظري ميكانيكا الكم، أو من شغلتهم نظرية التطور وضاع بين حجج الداروينيين والمؤمنين بالخلق، أو من أشغلته الذرة ومكوناتها والـ quarks  وجسيمات اكس وزي وغيرها، وغيرها من المواضيع العلمية التي تلامس جميع ما نعايشه، اليك اذا هذا الكتاب الذي لن تندم على قراءته:

بعد قراءتي لنصف هذا الكتاب A Short History of Nearly Everything، أكاد أجزم بأن معرفتكم بأمور أخذت حيزا من تفكيركم وأخرى لم تخطر ببالكم ستزداد بشكل كبير جدا. هذا الكتاب زاخر بمعلومات مفيدة ودقيقة. ومما يميزه بساطة اللغة المستخدمة واستماتة الكاتب لتقريب وتوصيل المفهوم بشتى الطرق والوسائل. كما يميزه تسلسل المعلومات المنطقي جدا والمرتب.

يوجد من هذا الكتاب نسختان إحداهما مدعمة بالصور، والأخرى لا تحتوي سوى رسومات بسيطة. أملك الأخيرة وهي ومع خلوها من الصور جذبتني بشدة.

الكتاب تصدر قائمة أفضل الكتب مبيعا في بريطانيا وهو موجه للعامة، فلا داعي للخوف من كون المعلومات معقدة وصعبة الفهم.

قراءة ممتعة.

الكتاب على ويكيبيديا.. المؤلف Bill Bryson.

وائل

في أحيان متعددة، تتناهى الى سمعي مواضيع لا أكون قد سمعت عنها من قبل. ولكن تلعب الصدفة دورا حاسما في توظيف عدة قنوات لإيصال معلومات أكثر عن الموضوع الجديد الذي تعرفت عليه. وغالبا ما تكون هذه الفترة قصيرة نسبيا.

هذا ما حدث معي في موضوع يهود العراق.

عندما كنت في مطار بيروت، منذ فترة، أنتظر الطائرة المتجهة الى لندن، اشتريت رواية من أحد المحلات هناك. الرواية هي لكاتب معروف وهو الأستاذ خالد القشطيني واسمها: على ضفاف بابل.

وصفت الرواية في بدايتها المجتمع العراقي في فترة الأربعينيات من القرن الماضي عبر مشهد لعائلة تستدر رحمة ربّ الأسرة ليرأف بالإبنة التي دنست شرف العائلة.  المشهد جمع عدة قضايا في آن واحد. صوّر البيئة والمنزل الذي كانت تعيش فيه العائلات الميسورة. ثم صوّر بساطة الناس ونقاشاتهم في ذلك الزمان عبر حديث أم البنت مع أقاربها.

يتعمق المشهد أكثر ليبين أن هذه الأسرة، التي يُفترض أنها أفضل حالا من ناحية الفكر مقارنة بغيرها نظرا للحالة المادية الجيدة، تميل الى تصنيف الناس بناء على أديانهم وإثنيتهم وأعراقهم. وتعتمد على التنميط أو الـ

stereotyping

كما يبين المشهد التناقض الكبير الذي احتواه ذلك المجتمع. فالأب لا يبغي سوى تطهيرا كاملا لشرف عائلته عبر قتل ابنته وجنينها، ولكنه في الوقت نفسه، وهو مدعي الشرف، كان قد حصل على ثروته عن طريق دور البغاء التي يملكها في الهند.

لن أستفيض في عرض الرواية ولكن ما يهمني هنا هو أن الرواية بينت في فصولها التالية دور اليهود العراقيين في المجتمع عبر بطل الرواية “عبدالسلام ساسون”، وبأنهم كانو مؤثرين ويعيشون بسلام مع إخوانهم العراقيين من الديانات والأعراق الأخرى. تتطور الأحداث بشكل معين لتمر على معاناة اليهود العراقيين الذين اتهموا بالعمالة لصالح اسرائيل. نبذهم المجتمع جميعا، ولم يفرق بينهم. فبمجرد كون الشخص يهودي، كان ذلك كفيلا بمحاربته وطرده وتهجيره من البلاد.

تاريخيا، تمت في تلك المرحلة محاولة استقطاب لليهود العرب من جانب الكيان الصهيوني. وكانت اسرائيل تخبرهم بمدى العز والرخاء الذي سيعيشونه. وكان أكثر اليهود العرب لا يأبه بهذه العروض، فقامت اسرائيل بالتعاون السري مع الحكومة العراقية بتنظيم عمليات قتل وتفجير في الأوساط اليهودية. كما قامت اسرائيل بإيعاز بعض عملائها للقيام بعمليات قتل وتفجير في الأوساط الدينية الأخرى. طبعا الفعل الأول كان له دور في إخافة اليهود العراقيين وإفهامهم بأنهم في خطر ماداموا متواجدين هنا. والفعل الثاني حرض أصحاب الديانات الأخرى على اضطهاد اليهود بشكل أكبر وطردهم والامعان في تخوينهم لأن العمليات كانت تُنسب زورا ليهود العراق.

يهود العراق لم يجدوا مأمنا سوى الهجرة الى اسرائيل هربا من الأوضاع. وكانت الحكومة، إمعانا في تخوينهم، قد سحبت الجنسية العراقية عن من غادر البلاد الى اسرائيل. بمعنى أنهم بالفعل تعرضوا لأنواع المذلات والهوان.

عرضت الرواية أحوال اليهود العراقيين في اسرائيل وبأن هذه الدولة عاملتهم بعنصرية فائقة. فقد كانت تفرق بين المزراحيم والأشكيناز. أي اليهود الشرقيين والغربيين. فاليهود العرب “مزراحيم” كانوا ينامون في خيام تفتقر لكل مقومات العيش البسيطة، كما أنهم كانوا يُواجهون بالمماطلة كلما ذكّروا الدولة بالوعود التي قطعتها لهم. ومازاد الموضوع إشكالا هو رؤيتهم للأشكيناز الذين قدموا من روسيا وألمانيا وغيرها وهم يُمنحون منازلا وشققا وتسهيلات كبيرة.

بالصدفة البحتة (وهذه الصدفة التي قصدتها في المقدمة)، كنت أطلع على البرامج الوثائقية التي أنتجتها الجزيرة، ووجدت أحد البرامج يتحدث عن اليهود العراقيين وقصتهم التي سردتها في الأعلى بشكل موثق ومفصل. حاولت أن أجد المقطع من جديد ولكن ربما تم حذفه لأنه يعتبر قديم نوعا ما ولكن الهدف منه أن نرى الوجه العنصري للدولة الصهيونية على شعبها وهذا الوجه كان قد أمعن في وصفه الدكتور المسيري رحمه الله.

كلمة أخيرة بخصوص الرواية، هي جديرة حقا حقا وحقا مرة أخرى بالقراءة. وهي مليئة بالأحداث والمشاهد التي تصور لك ذلك العالم في ذلك الزمان. وكم ستتفاجؤون بتشابهه الكبير وزماننا هذا، وكأننا لم نتطور قيد أنملة! خصوصا من ناحية التعامل مع الشخص الذي يقابلنا وفي ذهننا مئات الاعتبارات عن دينه وعرقه وطائفته و و  دون التعامل معه على أساس بشريته وفكره. 

أما بخصوص اليهود، فعلينا بالفعل التفريق بينهم وبين الصهاينة، ولعلنا جميعا نعلم بأن فيهم من يعادي اسرائيل الصهيونية بل ويقف معنا في مظاهراتنا المناصرة لفلسطين. وقد حصل لي شرف اللقاء مع أحد الحاخامات ممن ينتمون لجماعة ناتوري كارتا  وهو الحاخام آرون كوهين. قمت بالحديث معه بعد محاضرة معادية للصهيونية كان قد ألقاها في بريطانيا. وهو أحد الحاخامات الذين قابلوا الرئيس الايراني أحمدي نجاد ونشر بعض “الناس” صور اللقاء على الانترنت تشويها لسمعة نجاد وتحذيرا من الخطر الإيراني الشيعي الموالي للصهاينة (والدليل الصورة مع الحاخام برأيهم). والمضحك كان قيام أحد الزملاء بتصويري مع الحاخام، فتوسلت له بأن يمحو الصورة، لأن مجتمعنا مازال عامرا بأصحاب فكر أربعينيات القرن الماضي الذي وصفه القشطيني في روايته.

وائل

 

the-road-from-damascus

تبدأ الرواية من قلب دمشق، حيث يبحث بطل الرواية “سامي طريفي” عن منزل خالته في منطقة المهاجرين. جاء سامي طريفي الى دمشق زائراً بعد أن وُلد وعاش طوال سنين عمره في لندن لأبوين سوريين لثلاثة أشياء: ليرتبط من جديد بجذوره، ليتذكر من كان، ومن أجل فكرة.

يمشي سامي مستاءً مما يراه في الشارع، فقد اتضح له أن الحجاب قد طغى على هذه المدينة بشكل أكبر مما عهده في آخر زيارة له. الحجاب بمفهوم سامي يعني التخلف.. يعني عودة الطائفية.. الظاهرة التي يُبطن فيها كل فردٍ الشر لمن يخالفه في الفكر.. الظاهرة التي تَعني القتل لارتدائك الصليب أو الحجاب أو طوقاً تَعَلّق فيه “سيفُ علي” عند مرورك بخطوط التماس. لاحت في فِكره الأحداث التي حصلت في بداية الثمانينات.. عندما “ربّت” الحكومةُ الجماعةَ الانقلابية بشكل صحيح كما يرى سامي.

يبحثُ سامي عن فكرة ليَبني عليها أطروحة الدكتوراه في الأدب العربي التي يود الحصول عليها من بريطانيا طبعا. وبعد قضائه لمدة شهر في دمشق واقتراب موعد عودته الى بريطانيا، يُقرر اللقاء بخالته “فادية كلاس” وعائلتها وكله أمل بأن يجد ضالته. تمر أحداث مثيرة في هذا اللقاء البسيط حيث يتضح لسامي أن طريقة تفكير هذه العائلة (التي لسبب ما يقرر سامي اتخاذها نموذجا لأهالي دمشق) قد تغيرت و”تَأَسلمت” نوعا ما.. والأهم اكتشافه لوجود خال له اسمه “فارس” في منزل خالته. وفارس هذا استحال الى انسان شبه ميت في جسد بشري متهالك بعد قضائِه جلّ شبابه في السجون التي اتهمته بالانتماء لجماعة الاخوان الانقلابية.

يعود سامي الى لندن مثقلا بالهموم بعد عدم تمكنه من إيجاد الفكرة الموعودة التي يحتاجها بشدة لضمان مستقبله، أكاديمياً مُهِمّا كوالده “مصطفى طريفي”. بل ويبدأ بالسخط على أمه “نور كلاس” بينه وبين نفسه لأنها لم تخبره عن خاله فارس، فقد آلمه المنظر. ولكن أمه ربما لم تسنح لها الفرصة لإخباره خصوصا وأنه لم يرها، ولم يسمع صوتها حتى، منذ فترة بعيدة بَعد انفصالها عن أبيه بسبب خيانتها لعلمانيته بارتدائها للحجاب.

تمر فصول الرواية لتعرفنا بزوجة سامي “منتهى الحاج” وقصة الحب التي جمعتهم ومن ثم محاولاتها البائسة لمعرفة ما حصل له في دمشق ولكنها تقابل برفضه.

ما يميز هذه الرواية هو التعمق في الوصف. بمعنى أن الكاتب وظف فصولا كاملة في الرواية لوصف حدث معين وتأثيره النفسي والجسماني على سامي طريفي كانزوائه في مكتبه مستعيدا ذكرياته مع والده الذي زرع فيه مبادىء القومية العربية ونبذ المظاهر الدينية أو قراءته لقصيدة “خبز وحشيش وقمر” لنزار والتي أغضبت رجال الدين في وقتها وجزم البعض بردة وكفر نزار الصريحين. وكيف كانت أمه تُحفّظه في طفولته بعض الآيات القرآنية خِفية فإذا ما علم والده بهذا فإنه لن يتوانى عن نهرها بشدة.

ويُعرّفنا الكاتب في هذه الأثناء على شخصيات عدة لعبت أدوارا مختلفة في الرواية كوالد منتهى، “مروان الحاج”، وقصة نزوحه وعائلته من العراق الى بريطانيا، وماضيه الشيوعي الالحادي وإيمانه بالثورة التي سببت جرّه الى السجون ومواجهة صنوف العذابات خصوصا وأنه كان يكتب في صحف تدعو لها. وحاضره الملتزم دينيا الذي يستغفر باستمرار راجيا عفو ربه عما مضى. وقصة “عمار الحاج” أخو منتهى والذي كان كغيره من بعض المراهقين الذين افتتنوا بثقافة الزنوج والراب والهيب هوب فبات جزءا منهم.

في هذه الأثناء، يعيش سامي متخبطا، فهو لا يعلم الى أين سيؤول مصيره، ويعيش في وحدة وعزلة فكرية لأنه بدأ يشك في عقيدته التي رسمها وخططها له والده. وتتجلى واقعية الرواية في تجسيد ضعف الانسان وتخبطه عندما يشكك في منهجه وقناعاته خصوصا اذا كانت قد أمليت عليه إملاء أو أنه انتهجها محاباة أو اتباعا لشخص ما كمصطفى طريفي والده.

يواجه سامي هذا الأمر بشرب الويسكي لعزل جسده عن روحه، لعله ينسى ماهو فيه ويلهي عقله عن التفكير بالمستقبل. وعندما يقرر العودة الى الواقع، تصدمه زوجته منتهى بقرار اعتبره أبوه فيما مضى خيانة، فيعود سامي من جديد الى عهده الأول متسكعا بين الحانات.

نسبة ما ذكرته من أحداث هذه الرواية في هذه التدوينة تعادل الربع تقريبا والغرض منها بالفعل دعوتكم لاقتناء هذه الرواية وقراءتها لأن باقي الأحداث مثيرة وفيها عبر عديدة تتقاطع مع مواقف نعيشها في حياتنا وفي عقولنا.

الرواية باختصار هي بيان ذكي للقارىء يزيد من إيمانه بقوة الحب وبأن الروح تبحث عما يشبعها ويرضيها وهذا متحقق بالعقيدة والدين. كما أنها تستعرض أهمية أن يثور الشخص على واقعه إن رأى فيه تناقضا. بالفعل هي ثورة، ثورة في وجه ما اعتدنا عليه أو ما حشي في أدمغتنا. وتُثير للقارىء نقطة مهمة تتمحور حول الإقصاء وتهميش الرأي المخالف لمجرد كُره الطرف الثاني. ولم يَلُم الكاتب طرفا واحدا، بل استعرض مثالين ذكرت أحدهما (كره مصطفى طريفي والد سامي لكل ماهو ديني وتحديدا إسلامي وعدم تقبل وجودهم في المجتمع) ومثال معاكس يكون بطله أحد شخصيات الرواية (تطرف ديني والدعوة الى تطهير المجتمع من الآخَر).

كما أن الرواية هي تصوير مليء بالأحداث لرحلة البحث عن الراحة النفسية وإطفاء عطش الروح التي فرغت بالالحاد فلم تعد تجد شيئا تؤمن به وتستند عليه متأملة منه الإتيان بمستقبل أفضل.

بعد صفحة الإهداء في الرواية، اقتبس الكاتب جملة من كتاب Pensées  للفيلسوف وعالم الرياضيات باسكال Pascal:

Atheism indicates strength of mind, but only up to a certain point.

الالحاد يعبر عن قوة العقل، ولكن فقط الى حد معين.

وبعد انتهائي من الرواية أعدت قراءة هذه الجملة فعرفت تماما ما أراد الكاتب بها.

robin-yassin-kassab

ختاما، لم يتبق من كلامي سوى التعريف بمبدع الرواية. الكاتب هو الصحفي المميز روبين ياسين قصاب، تجري في عروقه الدماء السورية من جهة والده والبريطانية من جهة والدته. عاش في اسكتلندا وتخرج من جامعة أكسفورد. سافر وعمل في عدة بلدان. ويملك مدونة باسمه التدويني “قنفذ” يطرح فيها آراءه المميزة عن القضايا والشؤون السياسية العربية والغربية، بالاضافة الى مشاركته في عدة محافل ولقاءات تعنى بهذه القضايا.

تقع الرواية في 350 صفحة من القطع المتوسط باللغة الانجليزية طبعا.

قراءة موفقة..

وائل

مهما حاولت كلماتي وصف ومدح أسلوبك الساحر الرائع، فإنها ستتهاوى خجلة على سفح جبل كتاباتك العظيم الذي لامس ذرات السماء.

لم أتخيل أنني في يوم من الأيام سأسمح لنفسي بتجاهل ما يقوله الدكتور والجلوس في أحد جوانب قاعة المحاضرات، وأنا الطالب المجتهد، لأقرأ كتابا أو رواية ولكن هذا تحقق. أنا أحملك المسؤولية يا جبران، فكتاباتك التي تحمل صورا أدبية تطرب لها المخيلة، وقصصك التي تحمل معان وعبر تركع لها العقول احتراما، وعاطفتك التي شغفت يوما بـ “سلمى كرامة” وتمكنت من رسم تعبيرها الدافئ على شكل كلمات ساحرة.. هي كلها أخذت بي إلى عالم آخر وجعلتني أضرب عرض الحائط بكل ما قاله الدكتور عن عالم الواقعيات لأنتقل مع أثير كلماتك إلى عالم.. لم أدخله من قبل.. فشكرا لك.. ورحمك الله يا جبران.

فكرت في السفر إلى لبنان. وكان متحف جبران خليل في مدينة بشري (بتشديد الراء) هو أهم برامج السفر. ولكني لم أتمكن 🙁 بسبب الأوضاع المتوترة في لبنان الأبيض.

جبران كان يكتب باللغة العربية واللغة الانجليزية وينظم الشعر ويرسم ولعل رسوماته قد لا تروق لكثيرين لأنها تحتوي أجسادا عارية ولكن لجبران فلسفته في هذا الشيء عندما بين أن الإنسان يكون على طبيعته ومكشوف ما يدور بداخله عندما يكون كيوم ولدته أمه.

لن أخوض فيما قلته يا جبران ولكنني سأهتم بما وجدته إبداعا تميزت به عن غيرك في كتبك التي قرأتها “الموسيقى” و “عرائس المروج” و “الأرواح المتمردة” و “الأجنحة المتكسرة” و “دمعة وابتسامة”.

المؤلفات العربية (إضافة لما ذكر في الأعلى) تشتمل على كتب “المواكب” و ” العواصف” و “البدائع والطرائف”. وأهم كتبه باللغة الانجليزية والتي لم يكتب بها حتى أتقنها من خلال إقامته في بوسطن ونيويورك هو كتاب “النبي” الذي ترجم إلى عشرات اللغات العالمية.

بقي أن أذكر أن ما كتبه العظيم ميخائيل نعيمة في وصف جبران وإنتاجه الأدبي هو أفضل وأشمل ما قرأت عن جبران.

وائل..

كتبت هذه التدوينة منذ فترة قريبة بعد إنهائي لقراءة هذا الكتاب.. وبعد زيارة لمدونة صديقي عمر مشوح، وجدت أنه قام بذكر اسم هذا الكتاب في تدوينته التي تحدثت عن كتاب آخر لنفس المؤلف “10 أفكار بسيطة لبناء علاقات وروابط مميزة مع الآخرين”.. فأحببت نشر هذه التدوينة لتتعرفوا (بلمحة سريعة) على مضمون كتاب الراهب الذي باع سيارته الفيراري:

لطالما ترددت في مكتبة جرير-الرياض على قسم كتب تطوير الذات self improvement ولطالما شدتني العناوين التي يبرع مؤلفوها في إطلاقها على كتبهم. ولكن كان لعنوان كتاب “الراهب الذي باع سيارته الفيراري The Monk Who Sold His Ferrari” وقع غريب أثار فضولي عندما ذكر لي صاحبي عبدالله أنه سمع عن هذا الكتاب.

سألنا الموظف في مكتبة جرير عنه فقال متندرا: تقصدون الراهب الذي اشترى سيارة التويوتا؟ لأنه بعد بيع الفيراري قام بشرائها 🙂

على العموم، أول ما شدني في الكتاب كان “الإطراء” المطبوع على غلافه و الذي أثنى به الكاتب الشهير باولو كويلو Paulo Coelho مؤلف الرائعة “الخيميائي The Alchemist” وساحرة بورتبيللو The Witch of Portobello” وغيرها الكثير من الروايات على صاحب كتاب الراهب روبين شارما Robin Sharma.

أهداف الكتاب تتضمن الوصول إلى الراحة والطمأنينة الروحية والنفسية وتحديد أهداف الحياة وكل ما يتعلق بتحقيق الرضا والتطوير الذاتي الذي بدوره يضمن السعادة.

لقد برع الكاتب روبين بتوصيل وشرح أهمية هذه الأهداف ومن ثم كيفية تحقيقها بإتباع بعض الآليات والطرق التي “من واقع تجربة شخصية” كانت فعالة بشكل واضح.

ما يميز الكتاب هو ابتعاده عن مجرد السرد العادي. بل على العكس فإن الكتاب ما هو إلا رواية تبدأ بتعريفنا بالشخصيات الرئيسية وكيف هي حياتهم. ثم تنتقل بأسلوب روائي قصصي فيه إثارة إلى كيفية وصول أهم شخصية في الكتاب وهو Julian Mantle إلى أرض عجيبة لا يراها إلا من كان مؤمنا بأهمية تغيير حياته نحو الأفضل وتسمى Nirvana of Sivana ويقطنها أناس حكماء Sages of Sivana وهي توجد في منطقة ما من جبال الهيمالايا.

هذا الكتاب الروائي الذي يقع في 200 صفحة يحتوي على العديد من النقاشات الفعالة والمؤثرة بين Julian وصديقه John والتي يتم من خلالها شد القارئ وإرشاده نحو تحقيق أهداف الكتاب المذكورة بأسلوب شيق ومقسم ومتدرج وهذا سيبدو واضحا لمن يقرأ هذا الكتاب الرائع.

الكتاب باللغة الانجليزية وسعره في جرير حوالي 40 ريالا ولا أعرف إن كانت هنالك ترجمة له (لكني لا أفضل قراءة النسخ المترجمة لهذه النوعية من الكتب).

أتمنى لكم التوفيق، وقراءة ممتعة..

وائل..

بالمناسبة.. سأحاول تلخيص أهم النقاط التي ذكرت في هذا الكتاب في تدوينة قادمة إن شاء الله..