تناقش المدونون في محافل عدة عن مدى إمكانية “التدوين” من إحداث تغييرات عملية على أرض الواقع تجاه قضية معينة. وقد خلصت المناقشات في مجملها الى  أن “التدوين” بحد ذاته لا يحدث تغييرا ان هو بقي حبيس صفحات الانترنت ولم يكن مكملا لنشاط عملي واقعي. أذكر مثلا ما أجاب به الصديق سيريان غافروش في معرض سؤاله عن هذه النقطة في الحوار الذي أجراه معه موقع المدون حيث أجاب:

“لا نستطيع أن ننتظر من التدوين وحده أن يغييّر العالم, فنعم هو أداة تبادل آراء و فكر و معلومات قوية, و يمكن أن يكون له أثر في تغيير الرأي العام, لكن هذا التأثير هو أسير الانترنت و إمكانية الوصول إليه !

التدوين يمتلك قوة تغييرية, لكنه لا يكفي وحده, هذا ما قصدت. “

وجاءت هذه الإجابة مماثلة نوعا ما لما ذكرته دراسة مركز بيركمان عن التدوين العربي (ملخصها هنا) والتي بينت بأن قوة المجتمعات التدوينية العربية المهتمة بالسياسة مثلا في حال تشكلت فإنها ستكون محكومة بمدى تواجدها على أرض الواقع. بمعنى أنه طالما بقيت هذه المجتمعات التدوينية السياسية حبيسة للوسط الالكتروني، فإن التأثير المرجو منها سيكون ضعيفا جدا.

حينما أثرت في مدونتي قضية منع الطلاب السوريين من استخدام تقنية أمريكية ممثلة بالكمبيوتر فائق السرعة شاهين في جامعة الملك عبدالله بسبب الحظر المفروض علينا من أميركا، لم أتوقع هذا الكم من الزيارات والردود والتفاعلات مع القضية. تجاوزت التفاعلات صفحات مدونتي لتصل الى تويتر والفيس بوك وعدد من المواقع المحلية والعالمية. استقبلت رسائلا على الفيس بوك تدعوني للتدخل في حوار أثير عند مدونين مشهورين حول هذه القضية. ماهي الا لحظات حتى بلغني أن التدوينة تمت ترجمتها الى الانجليزية والفرنسية والاسبانية في موقع أصوات عالمية Global Voices ونشرت هناك وفي مواقع أجنبية أخرى تهتم بحقوق الانسان والقضايا الملوثة بالتمييز العنصري.

وصل التفاعل الى ذروته عندما وصلتني رسالة من شخص لم أتوقع أن أتواصل معه شخصيا من قبل. راسلني الأستاذ عبدالسلام هيكل شخصيا مبينا لي أن القضية لامست أسماعه وبأنه كتب مقالا بالانجليزية في مجلة فوروورد Foreword عن هذه القضية. (المقال موجود هنا بصيغة pdf).

ما أعجبني في المقال هو العرض المميز للمسألة ومن ثم تقديم حلول عملية من الممكن أن تستفيد منها الجامعة كمثيلاتها الأمريكيات اللاتي استفدن من قرار تبنته المحكمة العليا الأمريكية ينص بأن أي جامعة أو صرح أكاديمي “بإمكانه أن يقرر لنفسه (ومن دون تدخلات خارجية) وعلى أسس أكاديمية من يعمل داخله بمهنة التعليم، ولمن يتم تقديم هذا التعليم، والكيفية الأنسب لتقديم خدمة التعليم، ومن يتم قبوله في المؤسسة.” (الترجمة بين علامتي التنصيص هي كما وردت في موقع كلنا شركاء في خبر عن نفس القضية صدر البارحة).

وقد وعدني عبدالسلام هيكل بعمل تحرك فعال في الأوساط الأمريكية والسعودية وتبني القضية حتى يتم حلها، وطلب مني التعاون معه بهذا الخصوص.

مثلّت لي هذه القضية برهانا ملموسا على أهمية التدوين في التعريف بقضايا تهم شريحة كبيرة وحتى صغيرة في المجتمع وبأنها قد تثير الرأي العام ويلتف حولها أناس مهتمون بمعالجتها. وعطفا على ما ورد في بداية التدوينة، نجد أن هذه المسألة بالفعل تشكل مثالا حيا على أن التدوين قادر على إحداث شرارة التغيير ان تم تبني مواضيعه على أرض الواقع.

أتوجه بالشكر الجزيل لكل المدونين الذين تكلموا وتفاعلوا مع القضية وللأستاذ الكريم عبدالسلام هيكل الذي هو مثار فخر لجميع السوريين وللأستاذ رامي بواب ومؤسسة هيكل ميديا وموقع كلنا شركاء وجميع المواقع التي تفاعلت.

وائل

مرحبا..

هناك توضيح بسيط للتدوينة المكتوبة في الأسفل، وحيث أنني قمت بنشر هذه التدوينة قبل يومين، فقد آثرت أن أضع التوضيح في بدايتها..

التوضيح:

إن الغرض من هذه الكلمات هو ايضاح بعض النقاط التي وردت في التدوينة المدرجة في الأسفل المعنونة بـ: عندما رأيت الرئيس بشار الاسد البارحة .

أعترف بداية بأني تفاجأت بنوعية الردود التي وصلتني والتي اثبتت لي ان التدوينة تم فهمها بشكل بعيد عما أردته منها..

وهذا ما جعلني ربما اندم نسبيا على كتابتها بهذه اللهجة العاطفية جدا والتي همّشت الجوهر الرئيسي أو لنقل الفكرة الرئيسية للتدوينة.

ما وددت الوصول اليه في التدوينة هو اعتراف بلباقة السيد الرئيس وخطاباته التي تحرك مشاعر السوريين مهما كانوا على خلاف معه. وهذا ما عنيته بالفخر.. بمعنى أننا نرى منه تفاعلا ونشاطا في المحافل الدولية يميزه عن أقرانه من الملوك والرؤساء العرب مما يجعله فخرا لنا “في هذه الجزئية تحديدا”..

ولكن الجوهر المراد، أنني لا ألقي بالا كبيرا لهذه الأمور، فالعقل يأبى أن يصفح أو ينسى المعاناة اليومية للمواطنين والتي نقرؤها يوميا في المواقع الاخبارية وكتابات المدونين بمختلف أطيافهم وتوجهاتهم ونراها عينا ونلامسها بجميع حواسنا عند تواجدنا في البلد..

أعترف بأنني لم أستعمل ربما لهجة حازمة لتوضيح هذه النقطة وهذا أدى الى مرور عدد كبير من القراء على المشاكل أو “البلاوي”التي ذكرتها مرور الكرام، بل وظن بعضهم أنني أقول بأنه يجب علينا الصفح أو التغاضي عنها ليتم اعتبارنا مواطنين صالحين وأبناء بارين للبلد..

والمشاكل أو البلاوي التي ذكرتها كانت:

=================

الحسرات التي أطلقتها حدادا على الوطن الذي ماعاد وطنا. الحسرات على الشعب الذي يهيم في أودية الفساد والمحسوبيات والرشاوي. الحسرات على ما يسمى بالنهضة العمرانية والصناعية والزراعية التي لم تؤت أكلها حيث ازداد الثريّ ثراءً والفقير فقراً. الحسرات على صفوة المثقفين أصحاب الرأي والضمير الذين يذوقون ويلات السجون ويتهمون بتهم لم تُطلق على المجرمين والمختلسين و”قتالين القتلا” الذين هم بحق من يوهنون نفسية الأمة ويضعفون شعورنا بالانتماء لهذا الوطن.

=================

وأنا أعي تماما أن بعض القراء فهم ان هذه التدوينة شكلت تناقضا مع التعليقات التي أتركها في المدونات التي تناقش سياسات سوريا الداخلية والخارجية والتي تُظهر جليا عدم محاباتي لأحد في سبيل ما أراه من مصلحة المواطن استنادا الى جملة الأفكار والقناعات التي أؤمن بها..

بالمقابل، انا لا أؤمن بأن التغيير في سوريا عليه أن يأتي من الخارج على شكل ضغوطات على الحكومة السورية من قبل أميركا وفرنسا ودول أخرى تدعي نصرتها لحقوق الانسان والديمقراطية وهي في باطنها براغماتية و”مصلحجية” لا يهمها الا شأنها كيفما استطاعت الى تحقيقه سبيلا..

ولا أؤمن بنشاط داخلي مسلح أو ثورة عسكرية بسبب الوضع الخاص الموجود في سوريا (وأعني بهذا الوضع، الوضع الفكري والثقافي والاجتماعي وغيره مما يؤثر على تركيبة المواطن السوري).

ما أؤمن به هو استيعاب حكومي لمطالب الشعب ونخبه المثقفة والتي تسعى الى المساعدة في اصلاح أحوال الوطن الذي هو شأن يهم جميع السوريين مقيمين ومغتربين بمختلف دياناتهم وطوائفهم وأعراقهم..

وهذا الأمر تحديدا هو ما عنيته بخاتمة التدوينة والتي يظهر فيها استجداء ومطالبة لسيادة الرئيس بشار الأسد بمعالجة الظواهر التي أثقلت كاهل المواطنين فأنا حتى هذه اللحظة لم أقطع الأمل بالقيادة الحالية ومازلت مؤمنا بتحركهم الايجابي الذي أتمنى أيضا أن يكون على وتيرة سريعة..

وأعرف أن منا من قطع الأمل منذ زمن بعيد وهو اختلاف في وجهات النظر.

ختاما، أشكر كل من علق على التدوينة وليعذرني الجميع على الطريقة التي كتبت بها هذه التدوينة ولكني من المؤمنين بأن الكلمات تخون قائلها أحيانا في الوسط الالكتروني فتعطي انطباعا عكس ما أريد بها.

سأعطل خاصية التعليق على هذه التدوينة وأتمنى أن يتفهم جميع القراء موقفي من هذه التدوينة..

تحية..

وائل


ذهلت البارحة وأنا أرى السيد الرئيس بشار الأسد متقدما الوفود التي شاركت في حفل افتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية التي أشرت في تدوينة سابقة الى أني بدأت الدراسة فيها. كنت موجودا هناك حيث تم اختياري للمشاركة في المعرض المصاحب لحفل الافتتاح. وبعد انتقالنا لصالة الحفل، تم نقل صورة متلفزة للملك عبدالله جالسا على كرسيه متأهبا لاستقبال الملوك والرؤساء وممثلي الدول المدعوين واذا بالدكتور بشار الأسد يظهر على الشاشة راسما علامات التعجب والاعجاب على وجه الحضور (وتحديدا الطلاب السوريون الخمسة عشر).

لم أتوقع حضور الرئيس لعدة أسباب منها أن جامعة الملك عبدالله (وتختصر بكاوست KAUST) لم تتعامل مع الجامعات السورية مقارنة بجاراتها اللبنانية والأردنية مثلا حيث أنها أرسلت مسؤولين الى تلك الجامعات (كالجامعة الأميركية ببيروت والجامعة الأردنية للعلوم والتكنولوجيا) لاستقطاب عدد من طلابها المتفوقين للانضمام الى كاوست. هذا الشيء لم يحصل في سوريا إطلاقا.

وأحد الأسباب الأخرى هو وجود نوع من التمييز المقام على طلاب كاوست السوريين بمنعهم من استخدام الشاهين. نعم هو مفروض على جامعة الملك عبدالله كجزء من الاتفاقية، ولكن لم يصدر أي اعتذار رسمي بهذا الخصوص، بل تُرك للصدفة البحتة ليُكتشف (كما ذكرت في التدوينة السابقة).

ولكن يبدو أن حضور الافتتاح كان تأكيدا قويا على انتعاش العلاقات السورية-السعودية من جديد – كما أشار موقع سيريا نيوز – بعد فترة من الهبوط النسبي.

عند دخول الملوك والرؤساء قاعة الحفل التي جلسنا فيها، أذكر أنني وقفت ونظري موجه تماما نحو سيادة الرئيس وعواطفي وأفكاري تتصارعان فيما بينها. فقلبي انتشى برؤية هذا الشخص الذي مثل سوريا في المحافل الدولية خير تمثيل بلباقته وابتسامته ونظراته الثاقبة، فكان محط فخر للسوريين وغيرة لغير السوريين الذين تابعوه وهو يتحدث مع الملك باهتمام ويستمع للشرح أيضا باهتمام وتارة يحادث الرئيس التركي وتارة يمسك بيد الرئيس اليمني فكان بالفعل أكثر المدعوين تميزا.

الا أن عقلي كان له رأي آخر. حيث بدأت ترتسم الأفكار التي تعيدني الى سوريا وتسترجع الحسرات التي أطلقتها حدادا على الوطن الذي ماعاد وطنا. الحسرات على الشعب الذي يهيم في أودية الفساد والمحسوبيات والرشاوي. الحسرات على ما يسمى بالنهضة العمرانية والصناعية والزراعية التي لم تؤت أكلها حيث ازداد الثريّ ثراءً والفقير فقراً. الحسرات على صفوة المثقفين أصحاب الرأي والضمير الذين يذوقون ويلات السجون ويتهمون بتهم لم تُطلق على المجرمين والمختلسين و”قتالين القتلا” الذين هم بحق من يوهنون نفسية الأمة ويضعفون شعورنا بالانتماء لهذا الوطن.

وقفت ولم تفصلني عنك سوى بضعة مترات وأنت على مأدبة العشاء. تجاهلت نظرات أحد عناصر الحرس الملكي السعودي النارية التي تدعوني للابتعاد لأني تجاوزت الحد المسموح به للاقتراب. أرسلت لك يا سيادة الرئيس نظرات صامتة من مواطن لوعت قلبه الغربة خارج وداخل الوطن. نظرات تحلم برؤية صرح علمي ككاوست في بلدنا. وتحلم بأن يتم استغلال طاقات شعبنا، شعب الجبارين (معذرة أبو عمار، سأقتبس كلمتك وأطلقها على السوريين) الذين أنبهر بانجازاتهم مع ضيق الموارد وقسوة العقوبات الخارجية المفروضة عليه. وتحلم ببلد يستوعب أطياف شعبه بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية ويكرمهم ويوفر لهم ساحات للنقاش ووسائل عملية للارتقاء بأحوال البلد بالتعاون مع القيادة الحالية.

اختتمت هذه النظرات بابتسامة تجمع بين الأمل والثقة بأنكم يا سيدي الرئيس تعملون لمصلحة البلد وبأننا “منحبك” ولكن هلا نظرتم الى حسرات ونظرات هذا المواطن الصامتة والتي يشاركه بها الكثير من أبناء شعبك!

تحية لك ولشعب سوريا العظيم..

وائل

انقطعت عن التدوين لمدة تقارب الشهرين..

ولكني لم أنقطع عن متابعة المدونات العربية وتحديدا مدونات شباب وصبايا “المدوّن السوري” الذين أوجه لهم أطيب التحيات..

سبب الانقطاع يعود للانشغال بالدراسة والتفكير بخطط وقرارات في شتى المجالات ترسم معالم حياتي المستقبلية.

بعض هذه الخطط كان قاسيا نسبيا، كإغلاق هذه المدونة نهائيا والتركيز على التدوين التقني (مجال تخصصي) في مدونات ومواقع عربية وأجنبية متخصصة. خطط أخرى اقتضت مني شراء نطاق باسم لا يدل على اسمي الحقيقي وذلك لقتل احساس أكرهه عندما يختلجني بعض الأحيان.. حس الشهرة وحبها.

نعم هي طبيعة بشرية ربما، ولكني أكره أن أكتب أية تدوينة لغرض آخر غير إفادة من يقرؤون كلماتي وهذا فيه مصداق لشعار المدونة “كلام من القلب”.. فهو لن يكون كذلك اذا خالطته أحاسيس كحب الشهرة والظهور.

تخليت عن خطط وقرارات عديدة واعتمدت البعض الآخر، وربما ستشهد صفحات المدونة تدوينات شخصية تتحدث بتفصيل عن هذه الخطط ومدى تحقيقها للأهداف المرجوة.

كلما زرت مدونة من مدونات الأصدقاء في الفترة الماضية، ازدادت رغبتي في العودة لهذا المجال الرائع.. وأود استغلال الفرصة هنا لأتقدم بأسمى عبارات الشكر لشخصين كان لهما تأثير كبير عليّ في عالم التدوين منذ بداياتي وهما الصديقان عمر مشوّح وياسين، الغافروش السوري. أشكركما على كل شيء.

وائل

في أحيان متعددة، تتناهى الى سمعي مواضيع لا أكون قد سمعت عنها من قبل. ولكن تلعب الصدفة دورا حاسما في توظيف عدة قنوات لإيصال معلومات أكثر عن الموضوع الجديد الذي تعرفت عليه. وغالبا ما تكون هذه الفترة قصيرة نسبيا.

هذا ما حدث معي في موضوع يهود العراق.

عندما كنت في مطار بيروت، منذ فترة، أنتظر الطائرة المتجهة الى لندن، اشتريت رواية من أحد المحلات هناك. الرواية هي لكاتب معروف وهو الأستاذ خالد القشطيني واسمها: على ضفاف بابل.

وصفت الرواية في بدايتها المجتمع العراقي في فترة الأربعينيات من القرن الماضي عبر مشهد لعائلة تستدر رحمة ربّ الأسرة ليرأف بالإبنة التي دنست شرف العائلة.  المشهد جمع عدة قضايا في آن واحد. صوّر البيئة والمنزل الذي كانت تعيش فيه العائلات الميسورة. ثم صوّر بساطة الناس ونقاشاتهم في ذلك الزمان عبر حديث أم البنت مع أقاربها.

يتعمق المشهد أكثر ليبين أن هذه الأسرة، التي يُفترض أنها أفضل حالا من ناحية الفكر مقارنة بغيرها نظرا للحالة المادية الجيدة، تميل الى تصنيف الناس بناء على أديانهم وإثنيتهم وأعراقهم. وتعتمد على التنميط أو الـ

stereotyping

كما يبين المشهد التناقض الكبير الذي احتواه ذلك المجتمع. فالأب لا يبغي سوى تطهيرا كاملا لشرف عائلته عبر قتل ابنته وجنينها، ولكنه في الوقت نفسه، وهو مدعي الشرف، كان قد حصل على ثروته عن طريق دور البغاء التي يملكها في الهند.

لن أستفيض في عرض الرواية ولكن ما يهمني هنا هو أن الرواية بينت في فصولها التالية دور اليهود العراقيين في المجتمع عبر بطل الرواية “عبدالسلام ساسون”، وبأنهم كانو مؤثرين ويعيشون بسلام مع إخوانهم العراقيين من الديانات والأعراق الأخرى. تتطور الأحداث بشكل معين لتمر على معاناة اليهود العراقيين الذين اتهموا بالعمالة لصالح اسرائيل. نبذهم المجتمع جميعا، ولم يفرق بينهم. فبمجرد كون الشخص يهودي، كان ذلك كفيلا بمحاربته وطرده وتهجيره من البلاد.

تاريخيا، تمت في تلك المرحلة محاولة استقطاب لليهود العرب من جانب الكيان الصهيوني. وكانت اسرائيل تخبرهم بمدى العز والرخاء الذي سيعيشونه. وكان أكثر اليهود العرب لا يأبه بهذه العروض، فقامت اسرائيل بالتعاون السري مع الحكومة العراقية بتنظيم عمليات قتل وتفجير في الأوساط اليهودية. كما قامت اسرائيل بإيعاز بعض عملائها للقيام بعمليات قتل وتفجير في الأوساط الدينية الأخرى. طبعا الفعل الأول كان له دور في إخافة اليهود العراقيين وإفهامهم بأنهم في خطر ماداموا متواجدين هنا. والفعل الثاني حرض أصحاب الديانات الأخرى على اضطهاد اليهود بشكل أكبر وطردهم والامعان في تخوينهم لأن العمليات كانت تُنسب زورا ليهود العراق.

يهود العراق لم يجدوا مأمنا سوى الهجرة الى اسرائيل هربا من الأوضاع. وكانت الحكومة، إمعانا في تخوينهم، قد سحبت الجنسية العراقية عن من غادر البلاد الى اسرائيل. بمعنى أنهم بالفعل تعرضوا لأنواع المذلات والهوان.

عرضت الرواية أحوال اليهود العراقيين في اسرائيل وبأن هذه الدولة عاملتهم بعنصرية فائقة. فقد كانت تفرق بين المزراحيم والأشكيناز. أي اليهود الشرقيين والغربيين. فاليهود العرب “مزراحيم” كانوا ينامون في خيام تفتقر لكل مقومات العيش البسيطة، كما أنهم كانوا يُواجهون بالمماطلة كلما ذكّروا الدولة بالوعود التي قطعتها لهم. ومازاد الموضوع إشكالا هو رؤيتهم للأشكيناز الذين قدموا من روسيا وألمانيا وغيرها وهم يُمنحون منازلا وشققا وتسهيلات كبيرة.

بالصدفة البحتة (وهذه الصدفة التي قصدتها في المقدمة)، كنت أطلع على البرامج الوثائقية التي أنتجتها الجزيرة، ووجدت أحد البرامج يتحدث عن اليهود العراقيين وقصتهم التي سردتها في الأعلى بشكل موثق ومفصل. حاولت أن أجد المقطع من جديد ولكن ربما تم حذفه لأنه يعتبر قديم نوعا ما ولكن الهدف منه أن نرى الوجه العنصري للدولة الصهيونية على شعبها وهذا الوجه كان قد أمعن في وصفه الدكتور المسيري رحمه الله.

كلمة أخيرة بخصوص الرواية، هي جديرة حقا حقا وحقا مرة أخرى بالقراءة. وهي مليئة بالأحداث والمشاهد التي تصور لك ذلك العالم في ذلك الزمان. وكم ستتفاجؤون بتشابهه الكبير وزماننا هذا، وكأننا لم نتطور قيد أنملة! خصوصا من ناحية التعامل مع الشخص الذي يقابلنا وفي ذهننا مئات الاعتبارات عن دينه وعرقه وطائفته و و  دون التعامل معه على أساس بشريته وفكره. 

أما بخصوص اليهود، فعلينا بالفعل التفريق بينهم وبين الصهاينة، ولعلنا جميعا نعلم بأن فيهم من يعادي اسرائيل الصهيونية بل ويقف معنا في مظاهراتنا المناصرة لفلسطين. وقد حصل لي شرف اللقاء مع أحد الحاخامات ممن ينتمون لجماعة ناتوري كارتا  وهو الحاخام آرون كوهين. قمت بالحديث معه بعد محاضرة معادية للصهيونية كان قد ألقاها في بريطانيا. وهو أحد الحاخامات الذين قابلوا الرئيس الايراني أحمدي نجاد ونشر بعض “الناس” صور اللقاء على الانترنت تشويها لسمعة نجاد وتحذيرا من الخطر الإيراني الشيعي الموالي للصهاينة (والدليل الصورة مع الحاخام برأيهم). والمضحك كان قيام أحد الزملاء بتصويري مع الحاخام، فتوسلت له بأن يمحو الصورة، لأن مجتمعنا مازال عامرا بأصحاب فكر أربعينيات القرن الماضي الذي وصفه القشطيني في روايته.

وائل

أمي الحبيبة..

سأخبركِ لأول مرة عن أمر حصل معي منذ فترة ليست ببعيدة..

في أحد الليالي حلمتُ بأنني غادرت المنزل بعد أن ودعتُك.. ولكنني عدت بعد برهة من الزمن لأجدكِ وقد اختفيتِ.. هَرَعتُ الى كل غرف المنزل باحثا عنكِ ولكن من دون جدوى.. تسارع نبض قلبي خوفا عليكِ.. كيف لا وهو الذي يستمد طاقته من نظرات عينكِ الحنونة.. كانت لحظاتٍ مزعجة بحق، فقد طفِقتُ أبحث عنك في الشوراع وفي المحلات.. طالعت عيناي الوجوه الواجمة.. آملةً أن تلمح نور طيفكِ بين الخيالات..

تملكني التعب.. وفقدت قدماي القدرة على حملي.. عدتُ الى المنزل وقد غمرني الحزن.. ولكن لحظة.. هذه الأزهار لم تكن موجودة من قبل.. لَمعتْ بارقةُ الأمل في عيني.. دخلت المنزل فرأيتكِ تسقين الأزهار.. ونظرتِ إلي مبتسمةً.. تلك الابتسامة التي طالما أنستني الدنيا وما فيها.. وسحرتني لأن أرتميَ على صدركِ.. مقبلا خديكِ.. وقابضا على يديكِ كجوهرتين تبثان الدفء في القلوب.. صحوتُ من نومي وأنا أكاد لا أرى من كم الدموع الذي مَلأَها..

مسحتُ دموعي وخرجتُ أبحث عنك في عالم الواقع.. وجدتكِ جالسة ترشفين القهوة.. وقد تجمعت نحوك خيوط الشمس لتستمد دفئها من حنانكِ.. وهذه الأزهار التي شربت من عطفك تَشُدُّ نفسَها ما استطاعت لعل رائحتَها تتباركُ بملامسة وجهكِ وشعركِ.. جلستِ على عرش منزلنا الذي يدين لك بكل شيء.. فأنتِ التي جعلتِ منه قصرا صغيرا يجمع شملنا تحت سقفه.. أميرة كنتِ ذلك الصباح..

ضممتك وتنفست عبيركِ الطاهر.. وطبعت قبلة على خدكِ.. وقلت لك أحبكِ..

لا أدري لماذا لم أخبركِ بما حصل.. ربما لأنني أخجل من رؤية دمعتكِ.. أو لأنني لم أرد لنفسي أن أنهار باكيا وأنا أروي لك ما حصل..

صدقيني يا أمي أنني حبست دمعتي مرات ومرات عندما ودعتكِ أثناء سفري المتكرر.. يبدو أن الرجولة تحتم علينا كتم مشاعرنا أحيانا.. لكني في كل مرة أبتعد عنكِ، يظل قلبي معلقا بكِ.. مرتجفا بألم عند سماع اسمكِ.. وتنفر عينيّ بدمعةٍ حارقةٍ لا شعورية.. تُعيد الى عقلي ذكرياتِ طفولتي السعيدة وانت تلاعبينني.. وساعات الدراسة التي قضيتها وأنا أشرب عصيرا وضعت فيه دعواتك التي استجابها الله لصدقها..

امي.. يا منارةً أضاءت عتمةَ الأيام..

ويا نهر الحنان المتدفق.. يا أميرة الأميرات.. وملاذي الآمن..

لم تجد يداي أفضل من الكتابة اليك.. مُترجِمة ما أُحِسُّ به وأنا بعيد عنك..

فرقتنا الغربة.. ولكن أرض الوطن ستجمعنا قريبا..

حتى ذلك الحين، إليكِ يا أمي أرق تحيةٍ من ابنك الذي مازالت أذنه تسمع صدى دعواتكِ وكلماتكِ..

وتدعو كل خلاياه مجتمعةً بأن يطيل الله في عمرك.. وأن يُبْقِي البسمة مرسومة على محياك أبد الدهر..

ابنك..

وائل

قمت بنشر هذه التدوينة صباح 27 ديسمبر 2008

هل يذكركم هذا التاريخ بشيء؟

نعم في ظهيرة هذا اليوم بدأت الحرب على غزة..

على العموم، أحسست بأن هذه التدوينة لم تأخذ حقها، لذلك قررت إعادة نشرها..

تجدونها على هذا الرابط

وائل

تنفست عبير شعرك مع نسمات هذا الصباح. وأطربني لحن العصافير الذي يبعث الحبور في القلوب.

ما أطيبها من وجبة إفطار تلك التي حصلت عليها. نظرت في فنجان القهوة فرأيت سواد شعرك الذي تبعثرت بعض خصلاته على وجهك، فبدا كالبدر مضيئا. وأمسكت الجريدة المطوية لأقرأها، فتذكرت قوامك الخلاب، فسرح بي الخيال، فرأيتني أسير معكِ بين الأشجار والأزهار، والشمس تتوارى وراء كل غيمة مارقة، كيلا تزعجنا بحرارتها، فيكفينا ما نحن فيه من حرارة اللقاء.

رن هاتقي الجوال، وأعادني إلى عالم الواقع، لأجد منك رسالة تقول لي: صباح الخير..

ما أجمله ذلك الصباح..

إن القلب ليس إلا قطعة من لحم يقتات على عملها سائر الجسد، ويحيا على أثير نبضها. وهو أيضا في نظر الشيوخ والرهبان محل الإيمان والصندوق الذي يحمل المعاني السامية ومفاتيح العبادات. أما بالنسبة للعشاق، فهو المعذب الممتِّع، هو الذي يترجم شغفنا للقاء الحبيب بسيمفونية النبض السامي، التي يبقى أثرها منقوشا على جدار النفس أبد الدهر.

وهو الذي عند اللقاء، يشارك قلب الحبيب نبضه في ليلة مقمرة، وحينها تتسامى الأنفس تاركة عالم الماديات، صاعدة إلى فضاء الأرواح، حيث ترقص رقصة الفرح.

وائل،،

سؤال

سألت نفسي ما بكِ؟ أجابت متنهدة: هي!

قلت ومن “هي”؟

قالت: هي التي تتفتح الأزهار عندما تداعبها أنفاسها..

هي التي تنحني الأغصان خجلا من حيائها..

هي التي استمد الورد حمرته من وجنتيها..

قلت قد بلغ منك الشغف أيتها النفس مبلغه فأخبريني ما اسمها؟

قالت لن أقول الآن لأن لوقع اسمها أثر ساحر تسكر به العقول وتطرب له الآذان ويعيش به القلب حلما ورديا يود أن يخلد فيه.

قلت حسنا ولكن عديني أن تقولي فيما بعد..

قالت أعدك.