خلال السنة الماضية، عملت أنا وصديقي محمد عاشور على فكرة مشروع تناسب احتياجات الشركات – والمنظمات عموما – التي ترغب بفهم ديناميكيات العمل بداخلها، وذلك باستخدام عدة أدوات للقياس والتحليل، والتي تساعد قادة المنظمات على تشخيص المشاكل التنظيمية والتنبؤ وإتخاذ القرارات المناسبة.

لم نأت بشيء جديد كليا، أو بفتح لم يسبقنا اليه أحد في العالمين، لا شيء من ذلك، سوى بعض اللمسات الخفيفة التي استوحيناها من تخصصات أخرى وأقحمناها في مجال الفكرة. الفكرة مطبقة في مجالات متعددة، ونحن نلم بكيفية تطبيقها الى حد بعيد، وعندنا القدرة على تطويعها لتناسب حاجات المنظمات بشكل متقدم. على أننا مازلنا في طور تدعيم الفكرة وتطوير أدواتها للخروج بها بشكل أفضل يلقى قبولا أفضل لدى الشركات المستهدفة.

الفكرة – باختصار- هي تطبيق مفاهيم تحليل الشبكات الاجتماعية على المنظمات، مع مراعاة اختلاف أنواعها، وتطبيق أحد النظريات النفسية-الإجتماعية والتي لديها مقدرة تفسيرية عالية.

استعرضت مسبقا عددا من المفاهيم الأساسية لمجال تحليل الشبكات الاجتماعية هنا.

في الشركات والمنظمات، يمكننا توظيف مجال تحليل الشبكات الإجتماعية لعدة أغراض أبرزها:

  • دراسة التباين بين الهيكل الرسمي Organization Structure والهيكل غير الرسمي (الهيكل النظري في مقابل الفعلي).
  • دراسة التباين بين استراتيجيات الشركة وثقافة الشركة وتحديد الأنماط الموجودة، حاملي الثقافة السيئة، تموضعهم في المنظمة وغيرها.
  • استخلاص شبكات الموظفين الذين يدرون أرباحا للشركة، وشبكات أولئك الذين يوفرون الوقت والجهود داخل المشاريع.
  • استنباط شبكات تدفق المعلومات في المنظمة، وشبكات التنفيذ (Problem Solving networks, innovation networks,…).
  • قياس القيمة المادية الأقرب التي تمثل التعاون بين الأقسام، الوقت\المال الذي تم توفيره على مستوى المشروع، وغيرها.
  • تسريع اندماج الموظفين الجدد Newcomers في فرق العمل والمشاريع.

نستخدم مصادر بيانات متعددة للقيام بهذه التحليلات، كما أننا نقوم باستحداث مصادر بيانات أخرى تهمنا. وبما أننا نستخدم نموذج “الشبكة” كهيكل للبيانات والتحليل (وهو نموذج رياضي يمكننا تنفيذ عمليات حسابية عليه)، فإن هذا يمكننا من تكمية Quantify التعاملات بين الموظفين وتدفق المعلومات إلى حد متقدم وبعيد عن أغلب ما يتم طرحه عند التعامل بشكل تقليدي مع هذه التحديات من قبل الشركات الاستشارية. يتيح لنا ذلك إمكانية توفير أرقام ومؤشرات أداء KPIs تعطي تصورات أدق، وإمكانية قياس التغير الحاصل.

نختلف عن معظم الشركات الاستشارية في أننا لا نقوم بـ:

  • الاستناد كليا على تحليل نتائج استطلاع رأي يتم إجراؤه على عينة من موظفي الشركة وتقديم نتائج وتوصيات.
  • اسقاط وتأطير ما تمر به الشركة على نماذج وقوالب عمل معينة تعتبر ناجحة عالميا، ومن ثم تقديم مقترحات و Best Practices وإجراءات عمل لتحقيق المطلوب.
  • لا نقوم بالاستناد الى البيانات حصريا والانجراف وراء الطرح المهيمن حاليا عن نجاح البيانات دائما في حل المشاكل، بل نحن نؤمن أن الركون اليها وحدها هو أمر عبثي يستحيل اختزال الانسان به. لذلك، نقوم بالتوازي مع هذه التحليلات بدراسة طباع الموظفين وشخصياتهم على اختلافها مستخدمين في ذلك أدوات التحليل المستمدة من عدة نظريات نفسية-اجتماعية.

الفكرة لها جوانب عديدة يطول شرحها هنا، ولكن لتقريبها ولو جزئيا، سنستعرض هنا بعضا مما قمنا بعمله مؤخرا، والذي سيوضح أحد أجزاء الفكرة:

بيانات الرسائل الالكترونية Email ضمن الشركة تعطي قدرة جيدة جدا على تصور كيفية التواصل داخل الشركة وتبادل المعلومات. باختصار هي تمكننا من قياس ما يلي:

  • قياس مدى تطابق حركة تبادل الرسائل بين الموظفين مع الهيكل الرسمي للشركة.
  • اكتشاف التجمعات والتكتلات داخل الشركة (الرسمية وغير الرسمية).
  • اكتشاف الأفراد الذين يمثلون عنق-زجاجة في التواصل داخل الشركة Communication Bottleneck.
  • تحديد الأفراد الأكثر أهمية داخل الشركة، الأشخاص المحوريين، الأقرب لغيرهم،…

لذلك قمنا بتحليل بيانات الايميلات الحقيقية لإحدى الشركات (عن طريق اللوغز Logs لفترة ٣ أشهر) بغرض تشكيل خرائط تظهر خطوط التواصل المؤثرة على مستوى الشركة، بين الأقسام، وداخل كل قسم. إحدى هذه الخرائط والتي تعود لقسم معين هي كما يلي:

image00

(حجم الدائرة يحدد: معدل التواصل Communication Rate. اللون الأزرق الغامق يمثل موظفي القسم، وموظفي الأقسام الأخرى تم تجاهل نشاطهم، أي جميعهم لهم نفس حجم الدائرة، ولهم ألوان مختلفة).

من المهم التنبه الى أن الخط الواصل بين كل موظف (دائرة) يعبر عن صلة الترابط في العمل على المشاريع، ولا يتم وضع الخط الا بعد تجاوز سلوك الرسائل المتبادلة بين الطرفين حدا معينا قمنا بتعريفه، يعني أن الطرفان على تعاون وثيق في العمل على مشروع معين. رسم الخريطة بهذا الشكل يعطي قيمة تحليلية أكبر لصانعي القرار، بدلا من تمثيل، على سبيل المثال، كل رسالة بين الطرفين بخط يصل بينهم، ما يؤدي الى خريطة معقدة ومتشابكة.

من الخريطة أعلاه، يمكننا تقديم التحليل التالي (قمنا بكتابته باللغة الانجليزية مسبقا، ونعتذر عن عدم ترجمته لضيق الوقت):

General findings

The overall network structure shows a hierarchical formation within the department, which results in number of communication bottlenecks as well as highly centralized individuals (which might suggest centralized decision-making process). The network also shows few well connected groups, making them more sustainable and dynamic to change compared with other groups.

The following table lists number of findings in details (numbers on the network represent finding item discussed in table 1):

nw-blog1


Screen Shot 2014-04-01 at 6.42.51 PMScreen Shot 2014-04-01 at 6.43.48 PMScreen Shot 2014-04-01 at 6.44.09 PM

وهنا نجد صورة أخرى، تضيف أبعادا إضافية للتحليل المذكور في الأعلى:

image03

أبرز ما تقدمه هذه الصورة هو توضيح الموظفين الأكثر أهمية داخل الشبكة (اللون الأحمر، فالبني، فالتركواز الغامق وهكذا)، كما أن حجم الخط الواصل يمثل مستوى قوة التواصل بين الطرفين. هناك قياسات أخرى متعددة يتم حسابها عبر خوارزميات نظرية الأشكال Graph Theory ولها تطبيقات مهمة لن نستعرضها هنا لأن شرحها سيطول.

لاحظوا أن هذا التحليل اشتمل على قسم واحد فقط. في حال تم تحليل المنظمة ككل، فإن قياسات لطبيعة التواصل بين الأقسام واستكشاف التجمعات الموجودة، سيكون له قيمة تحليلية متقدمة لصانع القرار.

لاحظوا أيضا أننا في هذا التحليل لم نستخدم أي بيانات من قسم الموارد البشرية Human Resources وتم بناء الشبكة بدون اطلاعنا على الهيكل التنظيمي لموظفي هذا القسم، ما يجعلنا قادرين على قياس التباين بين الهيكل الرسمي وغير الرسمي، بالإضافة لقياس أثر القرارات التي تم أخذها مستعينين بالبيانات التي تم جمعها وتحليلها.

ختاما، من المهم التنبه الى أن التحليل المقتصر على بيانات الايميلات هو تحليل قاصر ومحدود وله عيوبه. ولن نناقشها هنا، ندع هذا لتصور القارىء، ولكن نكتفي بالقول أن تحليل الايميلات هو قطعة من قطع فسيفساء الحل الذي تبحث عنه الشركات. بالإضافة الى أن هذا النوع من التحليل يتطلب ضوابطا أخلاقية تتعامل مع مسائل الخصوصية. وفي النهاية، كما هو الحال مع التحليل أعلاه، فإن بعض الموظفين لم يظهروا في الشكل أساسا مع أنهم ينتمون لذات القسم، ولكن طبيعة عملهم لا تتضمن اعتمادا عاليا على التواصل عبر الإيميلات.

دعوة مفتوحة للتعاون:

نحن نؤمن بأهمية هذه الفكرة وقدرتنا على تطويرها لتغدو أفضل. على أن التحدي الأبرز بالنسبة لنا هو تطوير الفكرة ضمن الوسط الفعلي الذي نستهدفه: المنظمات والشركات. لذلك فإن ما نفتقده هو أن نعمل مع منظمة تقدم لنا الدعم الكامل لتطوير الفكرة وأدواتها لتحويلها لمنتج\خدمة تجلب عوائد مادية (التطبيق المشروح أعلاه استند الى بيانات حقيقية من منظمة تعاونت معنا مؤقتا).

نطمح لأن تدعمنا المنظمة ماديا وتساعدنا في تطوير الفكرة ونموذجها الربحي. كما نطمح لأن توفر لنا المنظمة قاعدة تسهل من حركتنا (نقيم حاليا في السعودية ونرغب بالانطلاق من مكان آخر).

يمكن للمهتمين التواصل معنا عبر البريد الالكتروني التالي: wa2el-at-wa2el.net

وشكرا