أنهيت قبل فترة أحد الكتب المميزة التي تعرفت إليها بالصدفة. أذكر أنني كنت أتجوّل بين الرفوف الخاصة بعلوم الإدارة والتخطيط الاستراتيجي -ذلك المجال الذي يستهويني بشكل كبير- في مكتبة جرير في الرياض ووقعت عيناي على كتاب يحمل شعار مطابع كلية وارتون العريقة (Wharton school Publishing) والتي تُعرف بأنها من أفضل الكليات التي تقدم برنامج بكالوريوس و ماجستير إدارة الأعمال MBA على مستوى العالم (وقد حلت ثالثة في تصنيف هذا العام في البكالوريوس بعدما كانت الأولى العام الماضي). اقتربت من الكتاب لأقرأ عنوانه فجذبني لأن أفتحه وأطالع فهرسه. عنوان الكتاب:
The Self-Destructive Habits of Good Companies.. And How To Break Them
للمؤلف:
ما يميز الكتاب هو استعراضه لعدد من العادات التي قد يبدو تأثير بعضها بسيطا بمجرد قراءتها، بل وإن قام أحدنا بإسقاطها على نفسه، فربما لن يظن أن ضررا كبيرا سيلحق به. ولكنها في الواقع تصبح كارثية على مستوى الشركات، وهذا ما يحاول الكتاب إبرازه من خلال الحديث عن شركات عاصرت فترة من التألق والنجاح ما لبث أن تداعى وتحطم، والسبب: إحدى هذه العادات.
العادات هي:
Denial
الرفض والممانعة
—-
Arrogance
الغرور
—-
Complacency
الفخر والرضا
—-
Competency Dependence
الاعتماد على ما تتميز به
—-
Competitive Myopia
قصر النظر عن المنافسة
—-
Volume Obsession
الهوس بالحجم (سياسة الاستحواذ على الشركات الأخرى أو الزيادة المفرطة في عدد الفروع)
—-
The Territorial Impulse
النزعة التحزبية (تكوين تجمعات وأقاليم ومناطق نفوذ داخل الشركة الواحدة)
—-
وضع مؤلف الكتاب كل عادة في فصل يفتتحه بمقدمة بسيطة يشرح فيها العادة ومن ثم يبدأ بسرد أمثلة من الشركات التي وقعت في فخ هذه العادة وما لحق بها من تبعات وخيمة جعلتها تعاني أزمات حادة، تعافت بعض الشركات منها واندثر بعضها ومازال البعض الباقي يتقلب في دوامة التعافي والفشل حتى يومنا هذا. بالنظر الى العادة بحد ذاتها، قد نجدها عامة بعض الشيء. لذلك يقوم الكاتب بتجزيء كل عادة بما يتناسب مع الأمثلة. فمثلا تحت فصل عادة الغرور، يذهب الكاتب الى تقسيم العادة الى: الغرور المتولد عن النجاحات الاستثنائية في السابق (كشركتي GM و Boeing )، والغرور المتولد عن التميز بسلعة أو خدمة لا يمكن تقليدها أو محاكاتها (كشركة Sony)، الغرور المتولد عن النجاح المفاجىء لشركة مغمورة على حساب شركة ضخمة (مايكروسوفت في بداياتها على حساب IBM) ، وذلك المتولد عن كون الشركة أذكى من منافسيها (من ناحية التجدد الدائم في التقنيات المطبقة كشركة Motorola )
يختتم الكاتب كل فصل بذكر العلامات التي تنبىء بالاقتراب من فخ الوقوع في هذه العادة، ويقدم بعض الحلول لمدراء الشركات لمساعدتهم في تحاشي هذا الفخ.
يمكن النظر للكتاب على أنه كتاب “قصص الشركات“. بمعنى أنه يشبه طريقة سرد القصة: تعريف بأبطال القصة، المصاعب التي واجهوها (بسبب تطبيق إحدى العادات)، كيف واجهوها، هل نجحوا أم فشلوا، العبرة من القصة. وأسلوب الكاتب شيّق ولغة الكتاب بسيطة وتناسب أي قارىء مهتم بهذه المواضيع.
نظرة خاطفة لبعض القصص التي يحويها الكتاب:
انه لمن المؤسف بالفعل أن نعرف أن شركة Xerox فَرّطَت بالتقنيات المهمة التي طُورت في مركز أبحاثها الشهير PARC في بالو آلتو -كاليفورنيا والتي شملت: الواجهة الرسومية لأنظمة التشغيل، شبكات الايثرنت لربط الأجهزة والطابعات، الطابعة الليزرية، والكمبيوتر الشخصي! عادة الرفض والممانعة (تحت جزئية رفض تبني التقنيات الواعدة) جعلت مجلس إدارة زيروكس يرمي بكل هذه التقنيات التي كان فريقها أول من ابتدعها ونفذها جانبا بحجة التركيز على المنتجات الحالية (آلات النسخ). يقال أن ال PARC كان الملهم الأول لكل من ستيف جوبز وبيل جيتس اللذان انبهرا بما رأياه وقررا تبني بعض هذه التقنيات التي نتنعم بثمراتها اليوم.
أما عن عادة الغرور (جزئية الغرور المتولد عن كون الشركة الأذكى بين منافسيها)، فلا شك أن موتورولا هي المعنية. من المعروف أن الشركة تصدرت سوق الاتصالات لفترة طويلة، ولم تترك مجالا تدخل فيه الاتصالات الا وامتطت صهوته، كتوفير أنظمة الاتصالات للجيش والمستشفيات والشركات والأفراد وغيرها. ولعل الخطوة التي أفشلت موتورولا هي تأخرها في الانتقال الى سوق الاتصالات الرقمية وتفضيلها البقاء في سوق الاتصالات التماثلية لأنها ربما لم تر مستقبلا باهرا في الأولى، وهذا ما أسهم في استحواذ شركتي سيمنس ونوكيا على حصة موتورولا في السوق. والخطأ الآخر النابع من نزعة الغرور أن موتورولا عولت على مبدأ أن المستهلك في النهاية سيشتري ما أعرضه عليه، أي أنني أنا (موتورولا) من أتحكم به. وهذا ما جعل المستهلكين بطبيعة الحال ينبذون موتورولا ويُقبلون على من حاول التقرب منهم وإرضائهم، كنوكيا مثلا.
وبالنظر في عادة الهوس بالحجم، يذهب الكاتب الى اعتبار شركة كرسبي كريم الشهيرة بال glazed donut مثالا لهذه العادة. فالشركة التي استعرض الكاتب سيرتها منذ بدايتها ومر بفترة نجاحها الباهر التي بلغ سعر السهم فيها ٥٠ دولارا والتي كانت تخطط لأن تملك ١٠٠٠ فرع حول العالم، أصيبت بنكسة عنيفة. تهاوت قيمة الشركة حتى بلغ سعر السهم فيها ٨ دولار، والسبب هو هذه العادة. فعلى الرغم من ازدياد كمية المبيعات الملحوظة للشركة، إلا أن مصاريف أخرى أثقلت كاهلها. فالفروع تتطلب أموالا لنقل المواد، رواتب الموظفين، الشاحنات، المصاريف النثرية، وغيرها.
في الختام، هو كتاب قيم وأدعو المهتمين بالتخطيط الاستراتيجي في عالم الشركات ودراسة عوامل القوة والضعف وما يلحقها من نجاح وفشل وصعود وهبوط لاقتنائه.
قراءة ممتعة.
وائل



