لا يخفى على أحد الدور المهم الذي يلعبه قطاع السياحة في سوريا. فالسياحة عامل مؤثر على الجانب الاقتصادي، الثقافي، والسياسي الى حد ما وغيرها من الجوانب.
في بداية هذا العام، صرح الدكتور سعدالله آغا القلعة وزير السياحة السوري بأن نمو قطاع السياحة في 2008 بلغ 15% مقارنة بالعام الذي يسبقه. وهذا بالطبع أدى الى نمو في الأرباح وتوفير 14.5% من الناتج الاجمالي المحلي عبر قطاع السياحة (والناتج الاجمالي المحلي يبلغ 98.83 مليار دولار لعام 2008 بحسب الـ CIA World Fact Book ـ[1]) أي ما يعادل 14.5% x 98.83 مليار = 14.33 مليار دولار. ونقلا عن الوزير، يخلق قطاع السياحة فرص عمل تبلغ 13% من الفرص المتاحة سنويا. وأوضح الوزير أن تكلفة المشاريع السياحية الجديدة تبلغ 6.7 مليار دولار.[2]
حسنا، وماذا عن عدد السياح (والذي يشمل أيضا السوريين المغتربين) الذين زاروا سوريا من بداية 2009 وحتى الآن؟ الجواب هو أكثر من 4.52 مليون سائح حتى بداية شهر آكتوبر الحالي بحسب المكتب المركزي للإحصاء وفرع الهجرة والجوازات السوري [3]. ويعزى هذا النمو الواضح في قطاع السياحة الى تحسن علاقات سوريا مع دول المنطقة وخصوصا دول الخليج (بحسب التقارير الدولية الخارجية) والى الحملات الترويجية التي تبنتها وزارة السياحة (بحسب وكالة سانا).
يبدو اذا أن هناك مشاريع تطويرية جيدة جدا بل وممتازة خصوصا مع هذه المبالغ الكبيرة المخصصة للتطوير. وللمعلومية، هذه المشاريع التطويرية هي استكمال وامتداد لمشاريع سبقتها وبأرقام كبيرة جدا. ولكني كمواطن عادي، أرى أن المرافق السياحية في سوريا، والتي أحسب أن جلّ ميزانية التطوير السياحي وُضعت من أجلها، تقل بأضعاف مضاعفة عن مثيلاتها الأردنية مثلا. الأردن دولة شحيحة الموارد، ولكنها استفادت من قطاع السياحة في جعله مصدر دخل قومي ارتكازي. وبزيارة قصيرة للبتراء والبحر الميت وحتى وادي رم (صحراء)، نجد أن السياحة الأردنية متفوقة بمراحل عن السورية. ولكن دعونا نرمي بتلك المقارنة خلفنا ونتطلع بكثير من الأمل نحو مستقبل المشاريع التطويرية الجديدة، ونرجو أن تحسّن هذه المشاريع وضع السياحة السورية.
مقدمة طويلة نوعا ما لما أردت الحديث عنه. الكلمات القادمة ستكون عن أحد الحلول التقنية الصغيرة المقترحة لتطوير السياحة السورية. وهذا الحل نابع من مبدأ “أن تضيء شمعة، خير من أن تلعن الظلام” وهو جهد فردي يحفّز الآخرين على أن يسعوا لتغيير وتحسين ما يحيط بهم من أوضاع سيئة باستخدام كل ما يقدرون عليه وماهو متاح لهم.
تخيل معي التالي:
افترض أن سائحا اسمه “جون” يحمل جهاز كمبيوتر كفي PDA وأراد جون زيارة منطقة دمشق القديمة التي يجهل تاريخها وقيمتها الأثرية. بدء جون زيارته من المنطقة القريبة من مدخل سوق الحميدية المتاخمة لأسوار قلعة دمشق. بمجرد اقترابه من سور القلعة، اشتغل مقطع صوتي من جهازه يتحدث عن تاريخ القلعة وسنة بنائها ومعلومات أخرى. صاحب المقطع الصوتي عرض على شاشة الجهاز لصور تظهر القلعة وأسوارها من زوايا متعددة في أوقات مختلفة من اليوم. توجه جون نحو سوق الحميدية وبمجرد دخوله، انطلق مقطع صوتي آخر يحدثه عن هذا السوق مصحوبا ببعض الصور. أثناء تجواله في السوق، أراد جون الوقوف لشراء بوظة من “بكداش”، فضغط زرا في جهازه لإيقاف المقطع الصوتي والصور مؤقتا. بعد الخروج، استكمل العرض بضغطة زر. توقع جون أن يرى بائع السوس الذي سمع عنه كثيرا عند وصوله لمنتصف السوق، ولكن لسوء حظه لم يكن بائع السوس بزيّه المزركش موجودا، ولكن جهازه أنقذه من الموقف حيث قام بعرض مقطع فيديو يصوّر بائع سوس وهو يقدم كأس الشراب الأسود لبعض المتسوقين.
زار جون الجامع الأموي وقصر العظم وكنيسة حنانيا واختتم الجولة باحتساء القهوة في مقهى النوفرة وقد تعرف على جميع هذه المناطق الأثرية بشرح صوتي استطاع التحكم به كيف شاء، وبعروض من الصور التي تظهر زوايا مختلفة لنفس البقعة التي زارها، وبعدد من مقاطع الفيديو، وختاما بموسيقى عربية شرقية هادئة (في خلفية العرض) لازمته طول فترة الزيارة، فكانت زيارته مثمرة جدا ولم يضطر فيها الى الاعتماد على اللوحات الإرشادية التي تعجب غيابها.
ما رأيكم؟ أليست تجربة فريدة ومميزة؟
ما تخيلناه في الأعلى هو حقيقة واقعية وتطبيق موجود للأجهزة الكفية. قمت بالعمل عليه وانهائه كمشروع صغير لإحدى المواد الجامعية التي أخذتها وتسمى Ubiquitous Computing الحوسبة المحيطة والتي تهدف ببساطة الى زرع التقنية في كل ما يحيط بنا لتتفاعل معنا وتساعدنا في حياتنا. التطبيق المذكور يستعمل تقنيات الجي بي اس والبلوتوث ليقوم عن طريقه بتحديد الموقع الخاص بالسائح، وبالتالي عرض المواد الملائمة للمكان. استخدمت برنامجا مجانيا متاحا من HP لعمل هذا التطبيق. وهو حقيقة برنامج غير معقد، يساعدك في عمل تطبيقات متفاوتة الصعوبات والتعقيدات بحسب الهدف المراد منها. ويمكن تحميله والإطلاع عليه هنا: http://www.mscapers.com/
تجدون مع هذه التدوينة التقرير النهائي للمشروع والذي ذكرت فيه شرحاً مفصلاً عن هذا التطبيق والغرض منه وأهم السيناريوهات التي أخذت في عين الاعتبار (مثلا ماذا لو ابتعد السائح عن مجال منطقة معينة في قصر العظم؟ التطبيق سيقوم بخفض المقطع الصوتي بشكل تدريجي وإيقافه وإيقاف ما يتعلق بتلك المنطقة وانتظار الدخول في مجال منطقة أخرى ليبدأ العرض الملائم، كما أن السائح سيكون مخيرا في إعادة عرض المقاطع والتنقل بينها اذا عاد لنفس المنطقة التي زارها من قبل) كما يحتوي التقرير شرحا عن الصعوبات التي يواجهها التطبيق وبعض الصور المأخوذة من شاشة الجهاز الكفي (تحديدا محاكي الجهاز الكفي، وأملك عرض فيديو قمت فيه بتصوير شاشة الجهاز والتحرك عبر جميع المواقع المتضمنة في التطبيق والتي ذكرتها أعلاه: قلعة دمشق، سوق الحميدية، الجامع الأموي، قصر العظم، كنيسة حنانيا، مقهى النوفرة، ولكنه كبير الحجم نسبيا، ربما أتيحه هنا لاحقا).
قد يتساءل أحدكم، وهل جربتها في سوريا، بمعنى هل التطبيق يفرض عليك التواجد في دمشق القديمة؟ أجيب بالنفي. لأن البرنامج يمكنك من تحديد أية خريطة لأي موقع تراه قريبا من المكان الأم لتقوم ببناء التطبيق عليه وهذا ما فعلته حيث كان الموقع الذي اخترته Jubilee Campus في Nottingham وقمت باعتبار سوق الحميدية مثلا (وهو سوق مسقوف) الممر الذي يربط الباب الشرقي لأحد المباني ببابه الغربي. وعملية تعديل الخريطة والتطبيق ليناسب الموقع الأم (دمشق القديمة) لن يأخذ سوى بضعة دقائق.
في الختام، أتمنى أن تلامس هذه التدوينة أسماع من يملكون قرار تفعيل هكذا مشاريع، ويرون أهميتها في تحسين صورة السياحة السورية. وللعلم فإن هذه التطبيقات التي تستخدم تقنيات تحديد المواقع وغيرها في المتاحف والأماكن الأثرية لم يتم تفعيلها بشكل كبير في معظم البلدان الأوروبية حتى اللحظة. اذا فالفرصة سانحة لتبني هذا الجانب المتطور. ومن الممكن مثلا تخصيص جزء من ميزانية وزارة السياحة لشراء 1000 جهاز كفي (لا يهم ان كان حديثا جدا) وتقديمه للسياح مقابل مبلغ رمزي على أن يستعملوه أثناء زيارتهم لدمشق القديمة ومن ثم إعادته. وبالنسبة لي فأنا مستعد لتقديم هذا التطبيق مجانا إن رأيت تفاعلا جديا مع الموضوع.
التقرير الكامل ويحتوي شرحا للتطبيق والبرنامج وغيرها من المعلومات (وهو باللغة الانجليزية).
وائل
[1]: http://rb6.me/3446
[2]: http://rb6.me/3445
[3]: http://rb6.me/3447


